ومن أجل عدم اصطدام الأفكار الجديدة بمشاعر المسلمين يقوم بالاعداد لها والتخطيط جيش من المبشرين الذين درسوا العالم الإسلامي من جميع جوانبه ونواحيه، وخبراء في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ، فضلا عن أجهزة المخابرات والإحصاء المختلفة، فاستغلوا في سبيل مآربهم كل وسيلة من العلم والطب والسياسة والحياة الاجتماعية ومن الثقافة والأدب واللغة ليسلبوا الإسلام كل مناحي الشخصية وكل أسباب الحياة [1] ، لتخرج أفكارهم تحمل شعارات العلمانية والقومية وتحرير المرأة.
وقد أدرك هؤلاء أن لا بد لإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب من اقتحام حصون المسلمين - اقتحام بيوتهم - باسم تحرير المرأة الذي سنوليه اهتماما خاصا، لأنه أهم مظاهر التغيير الاجتماعي وعنه تنشأ كافة الأمراض الاجتماعية. وقبل ذلك نلخص الآثار التي تركها الاستعمار في العالم الإسلامي من الناحية الاجتماعية لتتضح الصورة. فقد عمل الاستعمار على إضعاف معنويات المسلمين وأفكارهم وتجهيلهم وتحطيم كيانهم الاجتماعي بأن:
1 -شجع الاستعمار قيام نظام طبقي، أساسه وجود فئة من الإقطاعيين والإحتكاريين يستأثرون بالثروة، على غرار النظام الإقطاعي في أوربا في العصور الوسطى، وباقي الناس في ذل وفقر وجهل - بمعنى آخر أوجد - التفاوت الطبقي الكبير - الذي لم يعرفه المسلمون في تاريخهم. ووجد أدوات من الطبقتين - الغنية والفقيرة. الغنية المتسلقة والفقيرة المحتاجة فأصبحت علاقات المجتمع عدائية بدل الحب والتعاون والتكافل في المجتمع الإسلامي.
2 -جعل بعض البلاد مرتعا خصبا للأجانب، بأن شجع الأوربيين على النزوح إلى البلاد بما فيهم اليهود، والاستيطان فيها، واعتبرهم طبقة أرستقراطية أجنبية لا مانع إطلاقا من أن تستعبد غيرها وتسخرهم لخدمتها، وبجانبها طفيليات تعيش على فتاتها من أفراد المجتمع الإسلامي تسخرهم لأغراضها، كما حصل في جزائر وأندونيسيا والهند الإسلامية ومورو وتركستان والشاشان وأقطار أفريقيا.
3 -عمل على نشر الأمراض والعادات الاجتماعية السيئة في البلدان الإسلامية فعلم الناس: النفاق، وفقدان الثقة بالنفس، وعدم تحمل المسئولية، وأشاع فيهم بأساليبه: روح الخوف والجبن من الحاكم، والتشكيك في أعمال الغير، ونشر فيهم عادات مرذولة زاعما أنها من مميزات المدنية والتقدم مثل: تعاطي الخمر ولعب القمار والإباحية والسفور والخلاعة، والاستخفاف بكل ما هو إسلامي على اعبتار أنه قديم وبالي ورجعي، والتباهي بكل ما هو أوروبي على اعتبار أنه حديث وتقدمي.
وأمام أهم ميدان اقتحمه المستعمر وكان له الأثر البعيد في التغير الاجتماعي الإسلامي فهو فكرة تحرير المرأة:
(1) التبشير والاستعمار ص 217.