الصفحة 124 من 543

ففي كتابه تحرير المرأة تناول أربع مسائل وهي الحجاب واشتغال المرأة بالشئون العامة وتعدد الزوجات والطلاق، وذهب في كل مسألة من هذه المسائل ما يطابق مذهب الغربيين زاعما أن ذلك هو مذهب الإسلام [1] . والكتاب موجه لخدمة فكرة معينة يحاول المؤلف أن يسخر النصوص لخدمتها لذلك جاء مملوءا بالمغالطات، سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية أم في النصوص التاريخية والفقهية، أو الأدلة العقلية. وقد أثار كتابه موجة من المعارضة أكثرها مقالات صحفية [2] . جعلته ينزوي في بيته خوفا، ولكن سعد زغلول شجعه، ووعده بالحماية، فكشف عن أهدافه الحقيقية في الكتاب الثاني (المرأة الجديدة) الذي بدأ فيه أثر الحضارة الغربية واضحا. فالتزم فيه مناهج البحث الأوربية الحديثة التي ترفض كل المسلّمات والعقائد السابقة سواء منها ما جاء من طريق الدين وما جاء من غير طريقه ولا تقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع، وهو ما يسمونه (الأسلوب العلمي) [3] . وقارن فيه بين الحضارة اليونانية والرومانية والإسلامية، ورجح الحضارة اليونانية والرومانية على الحضارة الإسلامية [4] . ثم يدعو في آخر كتابه دعوة صريحة إلى الأخذ بأساليب الحضارة الغربية فيقول:

"هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يتعرفوا شئون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها - إذا أتى ذلك الحين - ونرجو أن لا يكون بعيدا - انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة،. . ." [5] .

وقد طبق ذلك في بيته فأحضر لابنتيه مربيتين - إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية [6] .

والواقع أن قاسم أمين لم يدع قط إلى اختلاط المرأة بالرجال ومراقصتهم، ولم يدع قط إلى أن تتجاوز كشف النقاب إلى الكشف عن الأذرع والسوق والصدور والظهور. ولم يدع قط إلى اتخاذ الملابس الضيقة التي لا تخفي عورات الجسم إلا لتبرز مواضع الفتنة والإغراء منها. ولكن قاسم أمين وإن لم يدع قط إلى شيء من ذلك، هو الذي فتح الباب لمثل هذه الدعوات، وهو الذي خطا الخطوة الأولى في طريق كان لا بد أن يسير الناس فيه من بعده خطوات في سرعة غير منتظرة، فقد خلعت المرأة النقاب ثم استبدلت المعطف الأسود بالحبرة (إزار كانت المرأة تلتحف به إذا برزت للطريق) ثم لم تلبث أن نبذت المعطف وخرجت بالثياب الملونة، ثم أخذ المقص يتحيف هذه الثياب في الذيول وفي الأكمام وفي الجيوب ولم يزل يجور عليها فيضيقها على صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها، ثم أنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطيء البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئا، ولم تعد عصمة كثير من النساء في أيدي أزواجهن ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس من اليهود ومُشيعي الفجور.

(1) الاتجاهات الوطنية ص 294.

(2) نفسه ج1 ص 302.

(3) الاتجاهات الوطنية ج 1 ص 302. وانظر كتابه - أي قاسم أمين - ص 75، 83.

(4) نفسه ج 1 ص 309.

(5) نفسه ج 1 ص 310 وانظر كتابه - المرأة الجديدة ص 192 - 193. وانظر ص 180 من هذا الكتاب [كما في النسخة المطبوعة] .

(6) قاسم أمين ص 77 / ماهر حسن فهمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت