الصفحة 142 من 543

-وحث الإسلام على السعي في طلب الرزق وأباح الملكية الفردية وبين الحلال والحرام - والفردية أحد عناصر التقويم الروحي الذي أريد لنفس الإنسان ليكون لكل فرد إحساسه الذاتي بالتكليف الذي ألقي على عموم الناس بعمارة الأرض ولتكون مسئوليته الخاصة عن ذلك التكليف. وحظر على المسلم الخبائث فحرم الخمر وأنواع المسكرات والمخدرات وسائر المنكرات والفواحش ولم يقتصر على تحريمها فقط بل حرم كذلك صناعتها وإعدادها والإتجار بها بيعا وشراء. . . ولم يعد الإسلام البغاء مهنة ولا الرقص حرفة ولا الغناء من وسائل الكسب، والمال الذي يأتي من هذه السبل لا يعد مالا حلالا بل جميع المكاسب التي تدر الربح على بعض الناس وتضر بالآخرين أو بالمجتمع البشري كالرشوة والسرقة والميسر وصنوف المقامرة وجميع المعاملات التي يخالطها الغبن والغش - يراها الإسلام جرائم يعاقب عليها. وهو يحرم احتكار الحبوب والأغذية والأمتعة التي تعد من حاجيات الناس ويمنع حبسها طمعا في ارتفاع الأشعار فيفضي ذلك إلى الأزمات والضنك في المعايش، كما حرم طرق الكسب التي تفضي إلى النزاع والتخاصم، أو التي يتعلق الربح والخسارة فيها بالحظوظ المجهولة، وليس للسعي فيها نصيب، أو لا تكون بين المتبايعين بها أو المتعاقدين عليها حدود معلومة أو حقوق واضحة مرسومة. وبذلك لم يدع الإسلام الملكية الفردية حرة طليقة [1] ، بل قيدها بضوابط غاية في الإحكام، وجعلها توجه لخير البشرية.

ولم يبين الإسلام بعد ذلك أسلوب الخطط الاقتصادية، وضمان تحقيق هذه الأصول، وكيفية التعامل المباح بين المؤسسات العامة والخاصة، واشراف الدولة أو سيطرتها على الانتاج وما أشبه ذلك. فهي موكولة إلى اجتهاد ذوي الإختصاص من الأمة في حدود تلك الأصول التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، فقد ترك الإسلام كما هو شأنه في كل ما يعرض له من الأمور البشرية - للفكر الإنساني وللجهود البشرية أن تبتكر في كل عصر ما يلزمها لتحقيق مصالحها.

والمال الذي يمتلكه المسلم يتصرف فيه صاحبه بطرق ثلاث:

-فإما أن يستهلكه في مرافق الحلال لا في الشهوات والسرف في الترف، فقد اشترط الإسلام الإعتدال والتوسط في المعيشة ولم يحل بين الإنسان وبين أن يعيش عيشة طيبة معتدلة. قال تعالى:

(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) [2] .

وقال جل وعلا في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [3] .

-وإما أن يستعمله في تجارة أو صناعة تعود عليه بالربح الحلال.

-وإما أن يدخره - والإسلام يكره كنز الأموال وإدخار الغني ما لا يحتاج إليه في نفقاته، ومن أراد أن يدخر فعليه الزكاة 2،5 % سنويا ليوزع على الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في الآية:

(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ) [4] . وهذا حق وليس منة. قال تعالى:

(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [5] .

(1) انظر الثروة في ظل الإسلام - البهي الخولي - ص 77 - 79.

(2) سورة الإسراء الآية 29.

(3) سورة الفرقان الآية 67.

(4) سورة التوبة الآية 60.

(5) سورة المعارج الآية 24، 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت