الصفحة 143 من 543

بمعنى آخر نرى الإسلام يبعد كل البعد عن النظام الرأسمالي الفردي الذي يعطي حرية العمل والكسب بأي وسيلة كانت. والحرية المطلقة في التصرف بالمال. وبعيد جدا عن النظام الشيوعي والإشتراكي الذي يجعل الفرد سنا في دولاب لا أهمية له ولا اعتبار، ويلغي ملكيته الفردية. إذا يضع الإسلام تصورا اقتصاديا يقوم على أساس الكسب المشروع والإنفاق المشروع، ويوجه طرق الكسب وطرق الإنفاق لما فيه صالح الجميع، ويكون دور القائمين على شئون الاقتصاد دور الجامع الموزع لا المحتكرين الذين يقتصرون في الإنفاق على شهواتهم الخاصة.

وفي عهد جمود المسلمين تختلف نظامهم الإقتصادي كتخلفهم في جميع المجالات فكان الفقر والمرض والأمية والجهل متفشيا، والتواكل باسم القناعة منتشرا ولكن بقيت فكرة التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي فكان الفقر والقناعة والايثار كل ذلك يجتمع في المجتمع الإسلامي المتخلف. ولم تنل المصالح العامة شيئا من الإنفاق، ومن ذلك اهمال العناية بالري والزراعة، فكثرت الفيضانات، وأهملت الطرق وشئون الأمن، فاستغل العيارون واللصوص الفرصة وشاركوا في نهب المحلات التجارية والبيوت وقام الأعراب بغارات على الريف ونهبوا المحاصيل، وتربصوا بقوافل الحجاج والتجارة، فعانى المسلمون فقدان الأمن والجوع وانتشرت الأوبئة، وخاصة بعد أن تغيرت طرق التجارة عن بلاد الإسلام بعد حركة الكشوف الجغرافية الأوربية.

وفي ظل هذا الأوضاع المتخلفة تمكن الاستعمار الغربي أن يبسط سلطانه على بلاد الإسلام، ففرض نظامه الإقتصادي مع فلسفته ونظرياته الإقتصادية، حتى لم تعد أبواب الرزق لتفتح إلا لمن يختار مباديء هذا النظام الإقتصادي، فأكل المسلمون السحت أولا، ثم محا من أذهانهم ما كان من تمييز بين الحلال والحرام، وبلغ الأمر أنه لم يعد كثير من المسلمين يسلمون بتعاليم الإسلام حتى حرم فيها كثيرا من الطرق المشروعة أحلها نظام الغرب الصليبي الاقتصادي أو النظام الاشتراكي الشيوعي، واختلط مفهوم النظام الاقتصادي بعملية التنمية. وأصبح الاتجاه العام يتجه إلى التنمية، دون الأخذ بالنظام الاقتصادي في الإسلام.

ومن أهم الآثار الاقتصادية التي خلفها الاستعمار في العالم الإسلامي في النواحي الاقتصادية وتركت بصماتها على الواقع الاقتصادي المعاصر:

1 -وجه الاستعمار موارد البلاد الإسلامية إلى مصالحه الخاصة، فشجع رؤوس الأموال الأجنبية على غزو البلاد واستثمار خيراتها، وأصبحت معظم الشركات أجنبية تدار لمصالح استعمارية، فقد أقام المؤسسات الاقتصادية والبنوك لتوظيف ذهب أوربا الذي طفحت به خزائن بنوكها في أواخر القرن التاسع عشر، وفتح الأسواق لمصنوعاتها ومنتجاتها وخاصة الإستهلاكية والترفيهية والكمالية، فأصبح لأفراد العالم الإسلامي ولع خاص بالاستهلاك التفاخري، ولهم جرأة عجيبة على الانفاق الاستهلاكي والتطرف فيه، وهذه نقطة قاتلة لإقتصاد المسلمين. ثم عمد الاستعمار إلى إقراض الحكومات للسيطرة عليها وتكبيلها بالنفوذ الغربي وإيقاع ذوي اليسار في الديون للاستيلاء على أملاكهم وتحويل مختلف الأراضي والتجارات والأموال إلى البنوك الأجنبية. فأنتج أجيالا تفكر في الحصول على منتجات الغرب ولا تفكر كيف تنتج هذه الأشياء، ولا تقف مع نفسها في التفكير في نتائج هذا الشيء واستعماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت