الصفحة 165 من 543

هذه الروح الحزبية جعلت أولئك الأفراد لا يرون احتمال خطئهم، وان عندهم الحق المطلق، والخطأ المطلق عند غيرهم، فجعلت اللقاءات بين أفرادهم سباقا في الحديث وليس حوارا (والحوار فن يعتمد على سماع آراء الآخرين وفهمها وتفنيدها للتوصل إلى الصواب والرجوع عن الخطأ) ، والحزبي لا يرى إلا من زاوية واحدة فقط ويقوم حديثه على توزيع الآراء وسد النظر فيما يتعلق بنظريته فلا يتسع صدره لآراء غيره، وهذا أدى بدوره إلى إنغلاق بعض الجماعات على نفسها وانعزالها عن الأمة، ونهج بعضها التطرف والغلو فسهل على أعداء الإسلام والعلمانيين ضرب دعاة الإسلام بشعارات تبررها بعض أعمال ومفاهيم بعض الجماعات كالاتهام بالتعصب أو التطرف. . فضاعت جهود كثير من العاملين في حقول الدعوة أو شوهت.

وما على هذه الجماعات إذا أرادت أن يستمر دورها الإيجابي في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية إلا أن تعيد النظر في تقويم نفسها والابتعاد عن السرية والعمل تحت الأرض لأن ذلك هو الوسط المناسب لاستنبات البذور الغربية مجهولة الطبيعة والمناسبة للعمل المظلم فتسيء إلى العمل كله وإلى الجماعة كلها وإلى الإسلام، أما العمل في ضوء النهار فإنه يقتل العفونة ويكشف العناصر الغريبة المستنبتة في الظلام تحت ضوء النهار وتختبر الصبر والصلابة والإخلاص. وعلى هذه الجماعات ما دامت أهدافها واحدة أن تتقارب وتتواد وتتحاب وترد أمورها كلها إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى العلماء المخلصين الذين يستطيعون استنباط تلك الأحكام لا إلى أصحاب الساندويتشات الفكرية، والعلماء هم أئمة العامة يتصدون لإرشاد الناس ويرون فيهم القدوة الصحيحة، وعليهم التخلي عن الهوى واتباع الحق، والهوى هو المذموم الذي لا يجوز لمسلم أن يحتكم إليه أو يطمئن إليه قلبه. وروي عن ابن عباس أنه قال:"ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمه" [1] .

وأما الحق فهو الوحي من كتاب أو سنة. ومرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله. قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ اللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [2] .

وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [3] .

وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [4] .

(1) (( الإمام الشاطبي - الموافقات - ج 2 ص 121.

(2) سورة النساء الآية 59.

(3) سورة الشورى الآية 10.

(4) سورة النساء الآية 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت