العالم. وقد تغلغل النفوذ الصهيوني في أوربا بالفعل، ولم يصبح في المجتمع الأوربي صوت حقيقي يرتفع في وجه الصهيونية كي يحد من أحلامها، وسيطرت على محترفي السياسة في أوربا وأمريكا، حتى أنها تمكنت في آخر الأمر أن تنتزع موافقتهم على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.
فأصبحت الصهيونية تركز عداءها ضد العالم الإسلامي وحده، وكانت الدولة العثمانية هي زعيمة المسلمين، وفلسطين من أملاكها، فاتبعت الصهيونية معها الأساليب التالية:
أ- أسلوب الإغراء: فقد قابل هرتزل السلطان عبد الحميد مستعملا أسلوب الرشاوي مع الوسطاء والمسئولين الأتراك [1] ، ووساطة الدول الأوروبية وخاصة المانيا، وقدم له التماسا لتحقيق المطامع اليهودية وعرض عليه تسديد ديون الدولة العثمانية جميعها وخمسة ملايين جنيه ذهب لجيبه الخاص مقابل السماح لليهود باستيطان فلسطين كرعايا للدولة العثمانية. فرفض السلطان طلبه، وكان قد عرف ألاعيب الصهيونية [2] ، واتبع خطوات إيجابية ليحول دون تسلل اليهود إلى فلسطين بأن فصل سنجق القدس عن ولاية دمشق، واتبعه للباب العالي رأسا، ومنع بقاء الزوار اليهود أكثر من ثلاثة شهور في القدس. وبذلك حد من تسللهم.
ب- أسلوب التهديد: فقد عمدت الصهيونية إلى تهديد الدولة العثمانية عن طرق الدول الاستعمارية الأوروبية - وخاصة النمسا ثم بريطانيا والمانيا، وحاولوا الحصول على العريش وشبه جزيرة سيناء وجزيرة قبرص كما عُرض عليهم أوغندة وليبيا والعراق وموزمبيق والكونغو ومدغشقر [3] . وقد وافق كرومر المعتمد البريطاني في مصر على منح الصهيونية العريش وشبه جزيرة سيناء وقابل هرتزل المستشار القانوني للحكومة المصرية بهدف الإعداد للتعاقد على استعمار سيناء والعريش لمدة 99 سنة، ولكن المشروع فشل بجهود الدولة العثمانية.
ج- أسلوب التآمر ضد الدولة العثمانية - وذلك:
1 -بتشويه سمعة السلطان عبد الحميد واتهامه بالرجعية والاستبداد حتى أصبح ممقوتا حتى عند شعبه لما تملكه الصهيونية من شبكات وسائل الاعلام.
(1) خيري حماد - الصهيونية - ص 40.
(2) راجع ص 116 - 119 من هذا الكتاب [كما في النسخة المطبوعة] .
وفي إحدى المرات قال السلطان:"أنصح الدكتور هرتزل ألا يتخذ خطوات أخرى في هذه الطريق، فإني لا أستطيع أن أتنازل عن قدم مربعة واحدة من هذه الأرض (أرض فلسطين) لأنها ليست أرضي وإنما أرض شعبي، شعبي الذي حارب في سبيل هذه الأرض وسواها بدمه، دع اليهود يحتفظون بملايينهم، فإذا انفكت دولتي فإن اليهود قد يحصلون على فلسطين بدون مقابل، ولكنهم لن يصلوا إليها إلا على أشلاء أجسادنا بعد تمزيق أوصالها، إنني لا أستطيع أن أوافق على إجراء التجارب الجراحية على أجسام أبناء شعبي الأحياء". (النص عن يوميات هرتزل - خيري حماد - الصهيونية ص 41، أنور الجندي - الإسلام والعالم المعاصر ص 421) .
(3) انظر خيري حماد ص 44 - 45.