الصفحة 201 من 543

لن تفعل شيئا ينطوي على أي مساس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، ولا بحقوق اليهود أو بمركزهم السياسي الذي يتمتعون به في غيرها من البلاد" [1] ."

ولقد اتسم هذا التصريح كما ترى بأفكار سياسية استعمارية ماكرة قصد بها الغموض والتضليل، من كلمات العطف، وإقامة وطن قومي للشعب اليهودي، مع أن اليهودية دين منحرف عن عقيدة موسى عليه السلام، وليست شعبا، واعتبار غير اليهود طوائف في فلسطين، ويعتبر هذا من أغرب الوثائق الدولية في التاريخ إذ منحت بموجبه دولة استعمارية أرضا لا تملكها إلى جماعة لا تستحقها على حساب من يملكها ويستحقها، وقد أقدمت على هذه الجريمة قبل أن تتقدم جيوشها بمساعدة حلفائها من العرب الذين قادهم فيصل ولورنس إلى فلسطين. ويكفي أن نذكر أن المستر (بيفن) وزير خارجية بريطانيا بعد ذلك بثلاثين عاما عير عن مدى التناقض الذي يشتمل عليه هذه التصريح بقوله:

"إنه كان في الواقع يتضمن شيئين متناقضين: تشجيع الهجرة إلى فلسطين ثم حماية السكان الأصليين ضد المهاجرين. إنها مغالطة تاريخية وفكرة استعمارية ماكرة" [2] .

وأحضر وايزمن لحظة إصدار تصريح بلفور لوزارة الحرب البريطانية مذكرة جاء فيها:"عندما نقدم اقتراحنا فإننا نعهد بمصيرنا القومي والصهيوني لوزارة الخارجية البريطانية، ولحكومة الحرب الامبراطورية، آملين أن ينظر إلى المشكلة على ضوء المصالح الإمبراطورية، والمباديء التي يدافع عنها تحالف الوفاق" [3] .

بل وأعلن وايزمن حقيقة تصريح بلفور بقوله:"إننا اتفقنا مع الحكومة البريطانية على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها العرب" [4] .

ودخل الجنرال اللنبي القائد الإنجليزي القدس في الحادي عشر من كانون الأول عام 1336 هـ / 1917 م بعد أقل من ستة أسابيع من إعلان وعد بلفور وصرح قائلا:"اليوم انتهت الحروب الصليبية [5] معبرا عن حقده الصليبي، ومؤكدا الرابطة بين وعد بلفور وبين الحروب الصليبية، أو الإرتباط بين الصهيونية والإستعمار. قالت (بربارة توخمان) الكاتبة الصهيونية في كتابها التوراة والسيف:"وهكذا دخل الجنرال اللنبي إلى القدس عام 1918 م فنجح حيث كان ريتشارد (ريكاردوس قلب الأسد) قد أخفق ولولا ذلك الانتصار لما كانت إعادة إسرائيل إلى أرض الميعاد قد أصبحت حقيقة واقعة، وكذلك لم يكن بإمكان اللنبي أن ينجح لولا محاولة ريتشارد، أي لو لم تكن النصرانية قد أقامت في الأصل الأساس الذي يحمل النصارى

(1) انظر د. محمود منسي. وعد بلفور.

(2) نفسه.

(3) جارودي - اسرائيل ص 73 من كتاب حاييم وايزمن المحاكمة والخطأ لندن 1950 م ص 252.

(4) شفيق الرشيدات - فلسطين تاريخا وعبرة ومصيرا ص 51.

(5) أنور الجندي - العالم الإسلام ص 399.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت