افترسهم السيخ إلا القليل ممن فر إلى الباكستان. ويؤخذ مما نشرته الصحف غير الإسلامية أن مذابح المسلمين في باتيالا عاصمة ولاية السيخ بلغت ما لا يقل عن 114 ألف إنسان.
وعملت جمعية مهاسبها الهندوكية على إثارة الشعور، وإلهاب حماس الجماهير، بنشر ألفاظ نارية سرعان ماتسري كالنار بين جموع الغوغاء - فقد عزم المسلمون على تكريم شهدائهم في 30 أغسطس 1367 هـ / 1947 م فأذاعت الجمعية منشورا جاء فيه:
"تذكروا يوم 30 أغسطس فهو يوم الشهداء. . . إنه يوم يجب عليكم أن تقتلوا فيه كافة المسلمين وكذلك أطفالهم ونساءهم، كما يجب عليكم أن تضعوا نصب"
أعينكم الإستيلاء على دورهم عنوة، وأشعلوا النيران في كل مكان واجعلوها مستعرة حتى تبيد محلات المسلمين، ولكن حذار فقد تتسرب إلى أماكن الهندوس والسيخ" [1] ."
وكان المسلمون منتشرين في كل مكان بالهند، فكانوا في أي مكان بين فكي الأسد، وصيدا سهلا للعابثين. وتحمل المسلمون في دهلي النصيب الأوفى من هذه المأساة، إذا استثنينا ما حدث بالبنجاب، فقد كانت دهلي عاصمة الدولة الإسلامية في الهند، وفيها مسلمون كثيرون لهم متاجرهم ودورهم ومصالحهم ومساجدهم، وأحياؤهم التي ينفردون بها، أو يكثرون فيها، وتضم كثيرا من الآثار الإسلامية الرائعة، وكان من نتيجة التقسيم أن خلا جهاز الشرطة الهندي من الرجال المسلمين، ضباطا وجنودا، وكذلك الجيش، فقد جردوا من عملهم، فاختل الميزان، وقاد السردار (باتيل) من زعماء حزب المؤتمر، ونائب رئيس الوزراء حملة الحقد على المسلمين، وكان وزيرا للداخلية وفي يده صمام الأمن، ووصف الجماعة الأرهابية (راشتريا سويك سنغ) الهندوكية المتعصبة بأنهم ليسوا مجرمين، وإنما هم وطنيون متعصبون لوطنهم. فاقترفوا الإفساد والتقتيل وقاموا بأعمال السلب والنهب، في حين كان رجال البوليس يراقبون الجرائم، فلا يتدخلون لقمع العدوان، بل كانوا يسهمون فيه أحيانا. واعترف غاندي في إحدى خطبه أن 137 مسجدا في دهلي القديمة والجديدة دنسها السيخ والهندوس، ووضعوا في بعضها الأصنام والتماثيل.
وقد وقع في دهلي وحدها ما يقرب من ثلاثين ألفا من المسلمين، غير المصابين بإصابات مختلفة، وغير مئات الآلاف الذين وقعوا ضحايا في القطارات الذاهبة إلى باكستان.
وفي 30 يناير عام 1948 م أغتيل غاندي في نيودلهي، فقد اعتبره الإرهابيون حجر عثرة في طريق تنفيذ مخططاتهم.
كان إلى جانب المستعمرة التي قسمت، والتي كان يحكمها الإنجليز حكما مباشرا، (565) إمارة هندية، يطلق عليها الهنود اسم (رياست) ، وإذا كان الأمير مسلما سمي (نواب) ، وإذا كان هندوكيا سمي (راجا أو مهراجا) . وكانت هذه الإمارات تسيطر على 45,3 % من مساحة شبه القارة الهندية [2] . وأعطيت هذه الإمارات (وبخبث من المخططين
(1) من مأساة دلهي ص 12، 13. عبد المنعم النمر ص 259.
(2) مجلة الأمة - العدد 32 السنة 3، شعبان 1403 هـ أيار (مايو) سنة 1982.