الصفحة 28 من 543

كما قام وزير المستعصم الخليفة العباسي وهو (ابن العلقمي محمد بن محمد) بمكاتبة هولاكو، وجسره، وقوى عزمه على قصد العراق، وابن العلقمي هذا رافضي شيعي، قام بإضعاف الخلافة العباسية بمكائده المختلفة، وأضعف الجيش، وقلل عدده، وأشار على الخليفة بمداراة هولاكو [1] . فاستطاع هولاكو بتشجيع من النصارى، والشيعة، الوصول إلى بغداد عاصمة دار الإسلام، ودار السلام، وبمساعدتهم تمكن دخول بغداد بجحافله، فخربوا المساجد وأتلفوا المكتبات، بإحراق الكتب، أو بإلقائها في نهر دجلة، وقتلوا معظم سكان بغداد دون أن يستثنوا إمرأة، أو طفلًا، ودون أن يعطفوا على مريض، أو يقدروا عالما [2] . وقد قدر المؤرخون القتلى بمليون وثمانمائة ألف، وبمليون، وبثمانمائة ألف [3] وقتل الخليفة المستعصم، بتشجيع وتحريض من ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي الاسماعيلي، فابن العلقمي نصح هولاكو بقوله:"بل المصلحة قتله، وإلا فما يتم لكم ملك العراق" [4] أما نصير الدين الطوسي الاسماعيلي، فكان وزيرا، ومشيرا لهولاكو، استصحبه هولاكو، فهون عليه تحريب بغداد وقتل الخليفة المستعصم [5] . وجميع أفراد أسرته وأهل بيته.

وكان ابن العلقمي يطمع أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة باتخاذه عند هولاكو يدا، وعمل بالفعل على تعطيل المدارس، والمساجد، والجماعات، والجمعات، والربط ببغداد، واستمر بالمشاهد، ومحال الرفض، وكان يريد أن يبني مدرسة هائلة للرفض [6] . ولكن هولاكو أهمله، وأذله، فذاق وبال أمره، وتوفى مذموما مدحورا.

وهكذا أصبحت بغداد - دار السلام - بفعل التتار، والنصارى، والرافضة مأوى لجماعة من النصارى، والزط، والشيعة، والوثنين، فقد طلب هولاكو من بطريق النساطرة أن يجمع النصارى في إحدى الكنائس، حتى يميزوا عن غيرهم، فلا يتعرض لهم جند التتار.

وكان سقوط بغداد عاصمة الخلافة أشبه بزلزال رهيب، دك بنيان بلاد الإسلام من أقصاها إلى أقصاها، ونظم الشعراء من العرب، والفرس، المرائي التي تشيع الأسى في النفس وتثير الشجون [7] .

تقدم هولاكو بعد ذلك إلى الشام، وهاجم حلب ودخلها بعد حصار شديد وتركها شعلة من اللهب والدخان، ودخل كتبغا دمشق، فسقطت حاضرة الشام صريعة تحت أقدام المغول سنة 657 هـ، واشتركت معه فرق نصرانية أرمنية، وافرنجية، فسنحت للنصارى الفرصة للتشفي، والانتقام من المسلمين، فنظموا مواكب عامة، حملوا فيها الصلبان، وأنشدوا الأناشيد، ويذمون دين الإسلام وأهله، وأجبروا المسلمين على أن يقفوا احتراما لمواكبهم، ومن امتنع تعرض للسب والإهانة، وبلغ بهم التحدي أقصاه فدقوا النواقيس، وتظاهروا بالخمر في رمضان ورشوه على ثياب المسلمين في الطرقات، كما صبوه على أبواب المساجد، ولم يستثنوا حتى الجامع الأموي، فضجر المسلمون ورفعوا شكواهم إلى (ابل سبان) متسلم البلد وكان نصرانيا فلم يحفل بهم، بل أهانهم، وضرب بعضهم، وأخذ يزور الكنائس، ويعظم رجالها على اختلاف مذاهبهم [8] .

(1) الذهبي - سير أعلام النبلاء ج 23 ص 180، 363.

(2) أبو الفدا - المختصر - ج 3 ص 203.

(3) الذهبي - سير أعلام النبلاء - ج 23 ص 179 البداية والنهاية ج 13 ص 202 / السيوطي - تاريخ الخلفاء ص 472.

(4) الذهبي - سير - ج 23/ 180.

(5) البداية والنهاية ج 13/ 201، 267.

(6) البداية والنهاية ج 13/ 201 / الذهبي ج 23/ 180.

(7) البداية ج 13/ 219 / الذهبي - دول الإسلام ج 2/ 125، المقريزي - السلوك ج 1 ق 2/ 425 / النجوم الزاهرة ج 7/ 80.

(8) البداية والنهاية ج 13/ 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت