وقيض الله سبحانه وتعالى لأمة الإسلام: المماليك في مصر، بقيادة قطز، والظاهر بيبرس، وعلماء مثل العز بن عبد السلام (سلطان العلماء، فتحركت في الأمة روح الجهاد، واستثيرت طاقات الأمة، ووجهت الى الجهاد في مصر، والشام، وتحركت جيوش الإسلام من مصر عام 658 هـ / 1260 م والتقت بجيوش المغول تؤيدهم وتؤازرهم بعض النجدات النصرانية من الآرمن والكرج - في عين جالوت - بين بيسان، ونابلس، على أرض فلسطين [1] في 25 رمضان، وألقى قطز بخوذته على الأرض أثناء المعركة، وصاح بصوت كالرعد:
"واإسلاماه، اللهم انصر عبدك قطز على التتار [2] "فكتب الله النصر المبين للإسلام، وانهزم المغول هزيمة منكرة لأول مرة في تاريخهم، بعد أن كانت القلوب قد يئست من النصرة عليهم، لاستيلائهم على معظم البلاد الإسلامية، ولأنهما ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه [3] . فتكسرت حدة موجات التتار، وتحول مدهم إلى جزر، واسترجع المماليك منهم الشام بأكملها، فكانت عين جالوت فاتحة سلسلة من الانتصارات توالت على المسلمين، وحطمت أسطورة قوى المغول، وعاد دين الإسلام غض الإهاب [4] . وأسلم (بركة خان) حاكم القبجاق وابن عم هولاكو، فساعد المسلمين ضد ابن عمه [5] .
وبقي المسلمون يقاسون الأمرين من المغول، في فارس، والعراق، واستمرت غاراتهم على الشام، والمسلمون يردونهم، كما حدث في وقعة حمص سنة 680 هـ [6] . وقد هداهم الله للإسلام فضاع على الصليبيين أملهم في الانتصار على المسلمين، كما ضاعت مجهوداتهم من قبل في الشام، فقد أعلن أحمد بن هولاكو إسلامه عام 680 هـ [7] . ولكن حالة المسلمين لم تمكنها من أن تبعث في نفوس المغول النواحي الإيجابية، التي تقود إلى الأصالة، وإلى المساهمة في رفع شأن الإسلام كدين، وشريعة، والمساهمة في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وأعمال (قازان) الذي غزا الشام، واجتاحها، سنة 699 هـ إلى سنة 702 هـ، وفعله القبائح [8] ، دليل على ذلك. فاستمر العلماء يحرضون على جهادهم فكانت موقعة شقحب الفاصلة سنة 702 هـ، التي انهزم فيها التتار هزيمة منكرة. وكانت فتوى شيخ الإسلام (ابن تيمية) في حربهم، وبين الشيخ من تعاون مع التتار وسبب تعاونهم ذلك [9] . واستمرت قسوة التتار كأعمال (تيمورلنك) ، إذ ملأ بلاد آسيا الوسطى والغربية قتلى، وأشلاء، وأكداس من الجماجم وخرائب، وقد لحق بالشام من فتكه وتدميره الشيء الكثير [10] .
وهكذا أسهم الغزو المغولي في ضعف بلاد الإسلام وفي انهاكها، وقد عبر السيوطي عن مأساة هذا الغزو بقوله:"هو حديث يأكل الأحاديث وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض وتملأها ما بين الطول والعرض" [11] .
(1) ياقوت - معجم البلدان - ج 4/ 177.
(2) المقريزي - الخطط. ج 2/ 38.
(3) أبو الفدا - المختصر ج 3/ 214 / النجوم الزاهرة ج 7/ 90 - 91.
(4) انظر القلقشندي - صبح الأعشى ج 7/ 360 - 362.
(5) البداية والنهاية ج 13/ 249، المقريزي - السلوك ج 1 ق 2/ 395.
(6) البداية والنهاية ج 13/ 295.
(7) ابن عبد الظاهر - محيي الدين - تشريف الأنام والعصور في سيرة الملك المنصور / تحقيق مراد كامل - وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1969 م / ص 24.
(8) البداية والنهاية ج 14/ 6 - 23 / النجوم الزاهرة ج 8/ 142 - 146.
(9) انظر - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية / للإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي / دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان ص 120 - 141.
(10) صبح الأعشى ج 8/ 103 - 106.
(11) تاريخ الخلفاء ص 467.