وقال ابن الأثير في كامله - وهو لم يشهد خراب بغداد بل شهد خراب ما وراء النهر وخوارزم من بلاد الإسلام:"حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها [1] ."
2 -الحروب الصليبية:
مثل التحدي الصليبي، التحدي الرئيسي في مواجهة الإسلام والمسلمين، واستغلته اليهودية في صراعها مع الإسلام، وقد حملت الدولة البيزنطية وزر مقارعة الإسلام فكريا، وعسكريا، من أول ظهوره، إلى أن تهاوت وانهارت نهائيا تحت مطارق الإسلام عام 857 هـ / 1453 م. فانتقل ذلك إلى الامبراطورية الروسية، والنمساوية، وفرنسا، وانجلترا، في الوقت الذي كان فيه الاسبانيون، والبرتغاليون، يتحركون بدافع الحقد على الإسلام والمسلمين، ويدفعون المسلمين عن الأندلس. وكل أولئكم يحركهم البابا في روما، وتنفخ فيه الكنيسة روح الحقد على المسلمين، وتثيرها حربا لا هوادة فيها. وبقيت هذه الروح هي المسيطرة حتى بعد أن انشقت الكنيسة الكاثوليكية، وقامت بحركة الاصلاحات الدينية.
تمكن الأتراك السلاجقة أن يحيوا روح الجهاد في الأمة، فحملوا راية الجهاد، بعد منتصف القرن الخامس الهجري ضد البيزنطيين واصطدم سلطانهم ألب ارسلان بقوة بيزنطية هائلة، كان يقودها الامبراطور ديوجينس، وقد تشتت شمل النصارى في معركة ملاذكرد، (مانزكرت) عام 463 هـ / 1071 م وكانت معركة من المواقع الحاسمة في التاريخ، نتج عنها انتشار الإسلام في آسيا الصغرى، وتركيزه، وأصبحت من ذلك اليوم من ديار الإسلام - فاتجه أباطرة بيزنطة لتسوية الخلاف مع البابا، واستنجدوا به لحمايتهم، فوجدوا أذنا صاغية من البابا: (أوربان الثاني) الذي دعا للحروب الصليبية بإعلان (كليرمونت) عام 1095 م، حين ألقى خطابا دعا فيه النصارى للحرب ضد المسلمين، لاستخلاص بيت المقدس، ووعد من يشترك فيها من النصارى، بالغفران الكامل، فتجاوب هتاف النصارى:"هكذا أراد الله"واتخذوا شعار الصليب، وبدأوا بالتدفق على بلاد الإسلام، عام 1097 م، فاشتعلت حرب ضارية بدون هوادة طوال قرنين من الزمان.
بدأ التدفق الصليبي في الوقت اذلي كان فيه المسلمون قد بدأوا بالتفتت والصراع، بعد وفاة السلطان ملكشاه، سنة 486 هـ / 1092 م، فانقسمت الدولة السلجوقية بعد خمس سنوات فقط من وفاته، إلى خمسة ممالك متنافسة هي: مملكة فارس، ومملكة حلب، ومملكة دمشق، وسلطنة سلاجقة الروم والعراق. وفي الوقت نفسه تعرضت بلاد الشام إلى انقسام آخر، وظهرت وحدات سياسية عرفت باسم (الأتابكيات) مثل أتابكية دمشق، والموصل، وبعضها صغير جدا لا يتعدى أسوار مدينة، أو قلعة واحدة [2] . وساد هذه السلطنات، والأتابكيات، النزاع والحروب.
وبالإضافة لذلك فقد دخلت هذه الدويلات مع الدولة الفاطمية التي (تحالفت مع الحركة الباطنية الاسماعيلية) في صراع مرير، استنفذ طاقاتها المادية والبشرية.
(1) الكامل في التاريخ ج 9/ 329.
(2) انظر - ابن خلدون ج 5/ 21، وانظر البداية والنهاية ج 12/ 156.