الصفحة 31 من 543

وفي هذا الجو تدفقت جموع الصليبيين يشترك فيها أمراء الإقطاع والفرسان ورجال الدين. فانتصروا في البداية، وأطاحوا بملك سلاجقة الروم، واستولوا على عاصمتهم نيقية، سنة 491 هـ / 1097 م، وكونوا في بلاد الشام، وآسيا الصغرى، إمارة الرها، وإمارة أنطاكية، وإمارة طرابلس، ومملكة بيت المقدس اللاتينية، عام 492 هـ / 1098 م. وضرب الصليبيون مثالا للحقد على الإسلام، والمسلمين، فاتسم الغزو بروح التعصب، والانتقام، فقد سفكوا الدماء في الرها، وانطاكية، وطرابلس، وبيت المقدس، وسفكوا دماء سبعين ألف مسلم، أو يزيد، في ساحة المسجد الأقصى، من المجاورين، والعلماء، والطلاب، والعباد، والزهاد، وخاضت خيولهم بدم الضحايا من الرجال، والنساء، والأطفال [1] .

وأذكر هنا ما رواه الراهب روبرت، أحد الصليبيين المتعصبين، وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس واصفا سلوك قومه:

"كان قومنا يجوبون الشوارع، والمبادين، وسطوح البيوت، ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، كانوا يذبحون الأولاد والشباب، ويقطعونهم إربا، إربا، وكانوا يشنقون أناس كثيرين بحبل واحد، بغية السرعة. وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقروا بطون الموتى، ليخرجوا منها قطعا ذهبية، فيا للشره، وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث. . ." [2] .

وقال كاهن (أبوس) (ريموند داجميل) شامتا:

"حدث ما هو عجيب بين العرب، عندما استولى قومنا على أسوار القدس، وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد غياب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس، وميادينها، سوى أكداس من رؤوس العرب، وأيديهم، وأرجلهم. فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا". وقال واصفا مذبحة مسجد عمر:

"لقد أفرط قومنا في سفك الدماء، في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي، والأذرع المبتورة، تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها. . . ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء بذلك، فعقدوا مؤتمرا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين، واليهود، وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفا، فأفنوهم على بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستبقوا منهم امرأة، ولا ولدا، ولا شيخا" [3] .

وعمل الصليبيون مثل ذلك في مدن المسلمين التي اجتاحوها. ففي (المعرة) قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين إلى الجوامع، والمختبئين في السراديب، فأهلكوا صبرا ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات. وكانت المعركة من أعظم مدن الشام بعدد السكان بعد أن فر إليها الناس بعد سقوط انطاكية وغيرها بيد الصليبيين" [4] ."

(1) المراجع السابقة.

(2) غوستاف لوبون - الحضارة العربية ص 325، وانظر فيليب حتى - تاريخ العرب ص 194 - 195.

(3) غوستاف لوبون ص 326 - 327.

(4) الإسلام والحضارة العربية ص 396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت