ومن الجدير بالذكر أن الحروب الصليبية قد بدأت في الجزء الغربي من العالم الإسلامي قبل هذا التاريخ، فسقطت صقلية فريسة سائغة لهجمات النورمان سنة 484 هـ / 1091 م [1] ، ومحيت من خريطة البلدان الإسلامية، فكانت الشهيدة الأولى، التي ذهبت ضحية الإهمال والتخاذل، وأما الأندلس فكانت سنة 407 هـ [2] ، مبدأ التفرق والتمزق فكان عصر ملوك الطوائف، فأخذت كفة النصارى ترجح، وأصدر البابا (اوربان) مرسوما حرم فيه على رجال الدين، والفرسان الأسبان، المشاركة في صليبيات الشرق، لأن محاربة المسلمين بأسبانيا لا تقل أهمية واعتبارا عن الحرب الصليبية الشرقية، فنتج عن ذلك أن هرع الكثير من الفرسان من مختلف أوربا إلى الأندلس، ليساهموا في حرب صليبية هي أقرب سبيلا، وأيسر مشقة وعناء، وأعلن البابا (باسكال الثاني) الحرب الصليبية ضد مسلمي الأندلس، وأصبح من المألوف أن يأذن البابا لملوك الأسبان في استعمال أموال الكنائس لمحاربة المسلمين، وكانت البعثات الصليبية الواردة من أوربا الشمالية (انكليز، والمان، وهولنديون) لا ترى مانعا إذا تعطلت في سيرها أن تعين ملوك الأسبان في حرب المسلمين، وأن يكتفي البعض منهم بتلك المساهمة. فتعرضت الأندلس المسلمة إلى عملية غزو واستيطان من قبل جميع نصارى أوربا.
وفي سنة 632 هـ / 1244 م أصدر البابا (جريجوار التاسع) قرارا وعد فيه النصارى الذين يحاربون مع ملك البرتغال، بغفران ذنوبهم، كما لو كانوا في الحروب الصليبية في الأراضي المقدسة، فكان البابا يثير حماس البرتغاليون ضد المسلمين [3] . ويتدفق معهم الصليبيون من مختلف أجزاء أوربا.
وتشاء حكمة الله تعالى أن ينهض في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، رجال يقومون في هذه الأمة على طريقة الأنبياء، في ميدان القيم، والمعتقدات، يجددون أمر الدين، وينفخون روح الجهاد في الأمة. تبعا للقاعدة التي لا تتخلف: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . فظهر في بلاد الغرب دولة (المرابطين) ، ثم (الموحدين) قارعتا الصليبيين في الأندلس. ومن الله تعالى على العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري، بعماد الدين زنكي، أتابك الموصل، الذي التف حوله المخلصون من المسلمين، وجعلوا دولته دار هجرة، تداعوا إليها من جميع الأقطار، فأخذ منذ توليه سنة 487 هـ يعد الناس إعدادا إسلاميا، ويطهر الدين من التيارات الفكرية المنحرفة، كالباطنية، وآثار الفلسفة اليونانية، والممارسات الفاطمية للعبادات والشعائر، ويعمل على تحقيق الوحدة الإسلامية بين الشام، ومصر، وشبه الجزيرة العربية، وشمال العراق، وبدأ بمقارعة الصليبيين، وهزمهم في معارك كثيرة، واستعاد الرها، سنة 539 هـ، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة [4] الفراتية.
(1) ابن الأثير - الكامل ج 8/ 157.
(2) المطوي ص 18.
(3) المطوي ص 191.
(4) الكامل في التاريخ ج 9/ 8.