ولما استشهد سنة 541 هـ [1] خلفه ابنه: الملك العادل نور الدين محمود زنكي (ت سنة 569 هـ) [2] وفي نفس السنة تمكن عبد المؤمن بن علي من الموحدين أن يملك ما في جزيرة الأندلس من بلاد الإسلام [3] يجابه الصليبيين هناك، وتمكن نور الدين أن يهزم الصليبيين هزائم متوالية، وأتم توحيد مصر، والشام، وشمال العراق، والحجاز، فوضع الصليبيين بين فكي كماشة. فقد دخلت قواته مصر، بقيادة أسد الدين شيركوه، سنة 562 هـ [4] وتوفي أسد الدين سنة 564 هـ، فوزر صلاح الدين، ابن أخيه للخليفة الفاطمي، العاضد، ولما مات العاضد سنة 567 هـ، أقام الخطبة العباسية بمصر، وألغى الدولة الفاطمية، وأصبحت مصر جزءا من الدولة النورية تابعة للخلافة العباسية [5] .
ولما توفي نور الدين، رحمه الله، سنة 569 هـ، أتم مهمته، الناصر صلاح الدين، يوسف بن أيوب، الذي هيأه الله سبحانه وتعالى لاستخلاص بيت المقدس، فقد جمع فيه من خصال الحزم، والعز، والإخلاص، والحرص على الجهاد، ونصر الإسلام، ومكارم الأخلاق، ما لا يجتمع إلا في أفذاذ الرجال، فكان معجزة من معجزات الإسلام التي تتكرر، ودليلا على أن الإسلام لم ينته دوره، ولم يفقد الحيوية، والانتاج، فقد استجمع طاقة الأمة، وهزم الصليبيين في معركة حطين بفلسطين، عام 583 هـ / 1187 م [6] ، وكسر شوكتهم، واستعاد بيت المقدس، وأحضر له المنبر، الذي أعده نور الدين بن محمود للمسجد الأقصى، فعاد الإسلام إلى تلك الديار غضا طريا [7] . وفي الوقت نفسه كان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الموحدي يخوض معركة الأرك ضد الصليبيين في الأندلس سنة 591 هـ [8] . وقد تم دحر الصليبيين نهائيا واخراجهم من بلاد الشام على يد الأشرف خليل بن قلاوون من سلاطين الممالك عام 690 هـ / 1291 م [9] .
استطاعت الحروب الصليبية التي استمرت قرنين في المشرق، استنزاف جميع القوى البشرية، والماية، في منطقة الشام، ومصر، واتسم الفكر الإسلامي في هذه الفترة بطابع المقاومة، والتحدي، ورد الفعل، بالدعوة إلى الجهاد، وابراز القدوة الحسنة، ذلك كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما فعل قبله سلطان العلماء العز بن عبد السلام، ومن نتائجها أيضا، أن ألقيت مقاليد الأمور بيد العسكريين، لبروز روح التحدي، والجهاد هذه، فجمدت أوضاع المسلمين الإقتصادية، وتناقصت الثروة، وصعفت الأيدي العاملة، بالإضافة إلى الخراب، والدمار، الذي حل بالمسلمين في جميع أقطارهم، وخاصة الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، وتونس، والأندلس.
(1) الكامل في التاريخ ج 9/ 13.
(2) نفسه ج 9/ 124. في خلافة المستضيء بأمر الله، الذي ولي الخلافة عام 566 هـ ووصفه المؤرخون أنه (أي نور الدين) كان:"ملكا صالحا، ظاهر الدين، بنى المساجد والمدارس والرباطات، وفتح الأمصار، وغزا الفرنج عدة غزوات" (المنتظم ج 1/ 248، الروضتين ج 1/ 227، أخبار الدول المتقطعة ص 309، سير أعلام النبلاء ج 20/ 531 - 539، البداية والنهاية ج 12/ 284) فكانت مجابهته للصليبيين على رأس أعماله المعدودة له رحمه الله.
(3) الكامل ج 9/ 10.
(4) الكامل ج 9/ 95.
(5) نفسه ج 9/ 111.
(6) نفسه ج 9/ 178.
(7) نفسه ج 9/ 185، وانظر العماد الأصفهاني / الفتح القسي في الفتح القدسي ص 397 - 398، وابن شامة / كتاب الروضتين ق 2/ 421. وابن شداد - النوادر السلطانية.
(8) البداية والنهاية ج 13/ 10 الذي دعاها بالزلاقة والزلاقة قادها أمير المسلمين عام 479 هـ، وهو يوسف بن تاشفين. انظر (بحث الزلاقة للمؤلف - مجلة الجامعة العددان 69، 70) ، وانظر الكامل في التاريخ ج 9/ 232 - 233.
(9) البداية والنهاية ج 13/ 320.