وقد عزلت الحملات الصليبية الأندلس، عن قاعدته في المغرب الإسلامي، وأخذت في تفتيت المسلمين ماديا، ومعنويا، بصورة بطيئة، مع تجريدهم بصورة مستمرة من مصادر قوتهم. وبالرغم من ذلك بقيت الأندلس تقاوم، واحتملت فوق قدرة احتمال البشر، على امتداد قرون عديدة، إلى أن سقطت غرناطة، آخر معاقل المسلمين، سنة 897 هـ / 1492 م بيد قرديناند وايزابيلا [1] . فاغتصبت أرض الأندلس الإسلامية، واستوطنها الصليبيون الأوربيون، وقد عانى المسلمون فيها معاناة عجيبة، فلم يقبل منهم الصليبيون أحدا، حتى الذين تنصروا من المسلمين الذين أطلقوا عليهم ايم (المورسك) . وخوفا من أن يبقى منهم من يحتفظ بالإسلام، سلطت النصرانية الصليبية على مدن أوربا محاكم التحقيق، التي أحرقت الألوف من الناس علنا. وقضت على حضارة المسلمين في الأندلس، وظهر من المتعصبين الكثيرون مثل (خمينز) الذي فرض النصرانية على أهل غرناطة بالعنف، ولما طلب المتنصرون أن تكتب لهم تعاليم النصرانية بالعربية، لغتهم، رد عليهم:"إننا لا نرمي حبات الدر النفيس للخنازير". وهذا هو نفسه الذي أحرق المخطوطات العربية الرائعة التي بلغت على أقل تقدير، ثمانين ألف مخطوطة، في غرناطة وحدها [2] . وكانت قد ضاعت أيضا صقلية وجنوب إيطاليا وجزر البحر الأبيض المتوسط. واستوطنها الصليبيون الأوروبيون، كما حدث في العالم الجديد إثر الاكتشافات الجغرافية. واستفاد الغرب الصليبي من الحروب الصليبية كثيرا [3] :
سياسيا: ازدادت سلطة الملوك، باشتراك عدد كبير من أمراء الاقطاع مع فرسانهم في الحروب الصليبية، فخلا الجو للملوك، فزادت سلطاتهم على رعاياهم، فظهرت الممالك الأوربية الحديثة. مثل بريطانيا، وفرنسا، وبروسيا، وروسيا.
إجتماعيا: اقتبس الأوربيون كثيرا من مظاهر الآداب الاجتماعية، والأخلاق، واللباس، من المسلمين، وعادوا لتطبيقها على أوربا، كما اهتزت طبقة الاقطاعيين وأخذت تظهر طبقات أخرى، مثل الطبقة الوسطى من التجار خاصة، والتي دعيت بالطبقة البرجوازية.
إقتصاديا: فقد تسلم الأوروبيون زمام التجارة بأنفسهم، وتعلموا بعض الصناعات، وخاصة صناعة الحرير، والزجاج، والورق، ونقلوا بعض أشجار الفاكهة إلى أوربا، وتعلموا أساليب الزراعة.
علميا وثقافيا: فقد نشأت حركة واسعة في ترجمة العلوم، والمعارف الإسلامية، إلى اللاتينية، بعد أن أطلع الأوروبيون على معلومات جغرافية، وفلكية، وتاريخية، وزراعية، مكنتهم من حب الاستطلاع. وباختصار فقد أحدثت الحروب الصليبية تغيرا في أوربا في مختلف نواحي الحياة، ومجالاتها، ونقلتها من عصر الإقطاع المظلم، إلى عهد جديد أطلق عليه اسم: عصر النهضة - وحركة النهضة هذه حركة تغيير شاملة لجميع نواحي الحياة، السياسية، والاجتماعية، والإقتصادية، والثقافية في أوربا وامتدت من القرن الثاني عشر الميلادي إلى القرن السادس عشر. وابتدأ في ايطاليا لصلتها الكبيرة بالعالم الإسلامي من بقية أوروبا، عدا أسبانبا، والبرتغال. ويمكن تلخيص أسباب اليقظة الأوروبية في [4] :
(1) انظر العسلي - الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية ص 229 - 231.
(2) السامرائي - د. قاسم - الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية ص 36. وعن أحوال المورسك في الأندلس المسلمة المغتصبة. انظر د. لوي كارديك - الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون - تعريب وتقديم د. عبد الجليل التميمي من منشورات المجلة التاريخية المغربية وديوان المطبوعات الجامعية / الجزائر، تونس عام 1983 م.
(3) انظر د. سعيد عبد الفتاح عاشور / أوربا العصور الوسطى ج 1/ 475 - 477.
(4) انظر فتح الله ص 26.