واستطاعت أفغانستان أن تؤكد طابعها الإسلامي العميق في جهادها ضد القوى الروسية والإنجليزية. فقد طمعت كل من روسيا والإنجليز في الاستيلاء على الصين عن طريق الممر الأفغاني المؤدي إلى التركستان الشرقية.
الحرب الأولى على أفغانستان 1253 - 1257 هـ / 1838 - 1842 م):
حاولت إنجلترا (كعادتها) التودد إلى الأمير محمد دوست لتفرض عليه معاهدة حماية، فلم تجد لديه فائدة، فقررت اقتحام أفغانستان سنة 1255 هـ / 1839 م، بحجة مناصرة شجاع الملك في منافسته لأمير الأفغان دوست محمد. في الوقت الذي زاد فيه خطر الفرس، بتحريض من الروس وأعوانهم [1] . وتمكنت القوات الإنجليزية بعد سلسلة من الهزائم أمام الأفغانييين من احتلال كابل، وإجلاس ربيبهم شجاع الملك على عرشها، بعد فرار دوست محمد. فقام الأفغانيون قومة رجل واحد، ولم يكتفوا بإخراج الدخلاء وصنيعتهم من العاصمة فحسب، بل تمكنوا من إبادة جيش بريطاني بأكمله عند خورد كابل، وكان قوامه عشرين ألفا من الجند المجهز بأحدث الأسلحة، فلم ينج من رجاله جميعا إلا طبيب شاب يدعى (بريدون) استطاع أن يصل إلى جلال آباد، فأخبر بالكارثة التي نزلت بجيش الإمبراطورية التي لم تكن تغرب الشمس عن أملاكها [2] .
وعاد البريطانيون إلى بلاد الأفغان من جديد طلبا للثأر فنزلت بهم عدة هزائم، وقتل الأفغانيون ربيبهم شجاع الملك، فلم ير الإنجليز بدا من مصالحة دوست محمد، والإعتراف به أميرا على الأفغان سنة 1258 هـ / 1842 م.
الحرب الثانية 1295 - 1298 هـ / 1878 - 1880 م:
لما مات دوست محمد عام 1280 هـ / 1863 م، خلفه ابنه (تشير علي) الذي عمل جاهدا مثل سلفه للإفادة من منافسة الروس والإنجليز. وحدث أن حشدت روسيا سنة 1296 هـ / 1878 م الجيوش المعسكرة في طشقند على حدود أفغانستان، فأرسلت إنجلترا مذكرة احتجاج على ذلك إلى شير علي، الذي لم يجب عليها بشيء، فقرر الإنجليز مهاجمة أفغانستان، فكانت الحرب الثانية بين الإنجليز وأفغانستان. وقد ضمت الحملة الإنجليزية كثيرا من أمراء الهند ومن المرتزقة من القبائل، ومن السيك المشهورين بالبسالة. وتمكنت الحملة من دخول كابل بقيادة (دوبرتس) ، وفر (تشير علي) خان إلى مزار شريف حيث توفي سنة 1297 هـ/ 1879 م. ونصب الإنجليز يعقوب ابنه أميرا، حيث فرضوا عليه معاهدة غاندامق، وتخلى لهم عن بعض الأراضي، وتعهد بقبول بعثة بريطانية تقيم بالعاصمة [3] .
(1) الساداتي ص 489.
(2) الساداتي - تاريخ المسلمين في شبه القارة - ص 490، وانظر حاضر العالم الإسلامي ج 4 ص 199، ناصر الدين ص 18.
(3) حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 208.