نزع إلى تقليد مصطفى كمال أتاتورك في نبذ كثير من التقاليد الإسلامية، وجهر بذلك في رحلته المشهورة التي خرج فيها عام 1928 م إلى بعض البلاد الشرقية والغربية، فزار مصر ومعه زوجته الملكة ثريا، التي خرجت متحجبة من أفغانستان فسفرت، ولبس هو القبعة، وزار الأزهر بها، فانصرف عنه العلماء مشمئزين بعد أن كانوا قد اجتمعوا له، ثم زار أوربا مع زوجته هذه وتركيا، وكانت أخبار تفرنجه وسفور زوجته قد وصلت أفغانستان، فهاج العلماء والشعب الأفغاني. حتى إذا ما عاد إلى بلاده ثار عليه فريق من قومه ومعهم طائفة من العلماء ثورة عارمة، انتهت بخروجه من البلاد.
إستغل رجل من قطاع الطرق الفرصة وهو حبيب الله المعروف بلقب (بجه سقا) أي ابن السقاء، فثار وانضم إليه فريق من الشعب، ودخل كابل، وأعلن نفسه ملكا، فساءت الحالة وعمت الفوضى، فاستفاق أهل البلاد، وأخذوا يتطلعون إلى شخص محمد نادر خان، الشخص الذي انتصر على الإنجليز سنة 1919 م، وكان سفيرا لبلاده في باريس، فاستدعوه وقاد حركة المقاومة وتغلب على عصابة ابن السقاء، وأعلن نفسه ملكا باسم محمد نادر شاه، وساعده أهل الهند وكان لهم النصيب الأوفر في نجاحه، واهتم نادر شاه بالعلم والتعليم، وتنظيم الجيش، وترقية وسائل العمران بدون أن يتعرض للمسائل الإجتماعية من الأزياء والعوائد التقاليد [1] ، بل سار في الحكم متمسكا بمكارم الأخلاق والتقاليد الإسلامية، ورفض أن يكون ألعوبة في أيدي البريطانيين أو الروس.
ولكنه أغتيل عام 1933 م بيد أنصار أمان الله خان [2] . فخلفه ابنه محمد ظاهر شاه وعمره 19 سنة وساس أعمامه البلاد سياسة حكيمة عاقلة من كل النواحي.
فاهتم بالجيش ونشر التعليم وقوى اقتصاديات البلاد وعمرها واستثمر ما بأرضها من خيرات، ووثق العلاقات بالجيران عامة، وبالبلاد الإسلامية خاصة.
وامتازت ملكية أفغانستان بالبساطة فلم يكن للملك مخصصات كبيرة، وإنما يقدم له مرتبا مناسبا، وليس هناك مخصصات مالية لأعضاء الأسرة المالكة، ولا يستخدم الملك السيارات الفاخرة ولا يتعطل المرور أثناء مروره، وكان يتم تعيينه بالإنتخاب والمبايعة، كما أنه لم يكن هناك عطلة رسمية ليوم ميلاده أو يوم تتويجه [3] .
أطماع روسيا:
كانت روسيا القيصرية دولة إستعمارية منذ يومها الأول، إستطاعت أن تلتهم البلاد الإسلامية الواسعة في تركستان، ووقفت على حدود أفغانستان مستعدة لالتهامها، وزاد طمعها في أفغانستان بعد قيام الشيوعية فيها، وحاولت الاعتداء على أفغانستان عام 1350 هـ / 1929 م بقيادة جريماكوف، وبعد مقاومة شديدة من قبل المسلمين واستشهاد حوالي سبعة آلآف
(1) حاضر العالم الإسلامي ج 2 ص 217.
(2) ناصر الدين ص 21.
(3) تقويم العالم الإسلامي ص 213.