إتبعت الحكومة الهولندية سياسة خاصة في استغلال البلاد، وطبقت على جاوة نظاما زراعيا عرف باسم (نظام الزراعة الإجبارية) ، وتبعا لهذا النظام كان على الجاويين أن يخصصوا جزءا معينا من أراضيهم للحكومة، ويزرعوه بمحاصيل للتصدير (مثل البن والشاي والقرفة وقصب السكر) بتوجيه الحكومة.
وكانت مثل هذه المحاصيل تباع قسرا للحكومة بأثمان بخسة. وهذه بدورها تبيعها بأثمان عظيمة في أسواق العالم وتربح فوق سعر الشراء والبيع.
وهذا جر إلى إرهاق الناس، بالتوسع في مساحات هذه المحاصيل المربحة، والنقص في انتاج الحبوب، فانتشرت المجاعات. فطالب حزب الأحرار في هولندا بإلغاء هذا النظام الزراعي، فحل القطاع الخاص محل استغلال الحكومة. وانتقل رأس المال الهولندي بكميات متزايدة إلى جزر الهند الشرقية لاستغلال البلاد.
وأما أوضح ما يمثل سياسة هولندة تجاه الإسلام والمسلمين فهو ما بينه المستشرق (هورغرونيه) الهولندي، الذي أقام في جاوة سبعة عشر عاما، درسها تماما وتجول في بلاد الإسلام ودخل مكة والمدينة قفي موسم الحج متنكرا [1] . ونلخص آراءه فيما يلي:
(1) حاضر العالم الإسلامي ج 1 ص 339. ولد كريستيان سنوك هورجرونيه عام 1857 م لأب قسيس، ودرس اللاهوت على أستاذ التوراة (كونن) ثم درس العربية على (دي خويه) .
حضر مؤتمر المستشرقين في ليدن عام 1883 م، وتعرف على أمين المدني الحلواني، ثم سافر إلى جدة، وأظهر إسلامه (إحتيالا) هلى رؤوس الملأ، فدخل مكة، ومكث فيها ستة أشهر ونصف، واتخذ له (عبد الغفار) اسما. واختلف إلى مجالس العلماء وشيوخ التعليم، ووطد علاقاته بكثير من علماء مكة وجاوة، وسومطرة، وآتشيه , وخاصة بشيخ العلماء في مكة: أحمد ابن زيني دحلان. كما وطد علاقاته بحبيب عبد الرحمن الظاهر الذي كان يطمع أن يسلطنه الهولنديون على آتشيه.
طرد من مكة لأسباب مجهولة، وقد تكون: لبحثه وجمعه النقوش الأثرية (السامرائي ص 116) .
وكان بارعا في تمثيل دور المسلم براعته في تمثيله دوره على إخفاء إسلامه الإحتيالي على الأوروبيين. وخدع أحخد أمراء جاوة بإسلامه، وتزوج بابنته، وله منها أولاد أكبرهم شغل منصبا كبيرا في شرطة أندونيسيا. بل ومثل دوره على زوجته وأولاده، فتمكن أن ينزّع الحب، فمنحه المسلمون حبهم، فخانهم (السامرائي ص 124) . فقد دخل إقليم آتشيه المجاهد، وجمع المعلومات التي يمكن جمعها لخطط الإستعمار، ثم أقام في بتافيا في رحلة تجسسية عجيبة تتصف بالخسة والعقوق والخيانة، فكان تقريره الذي يفيض بغضا وحقدا، وتحريفا وكذبا على العلماء الذين حملوا راية الجهاد في وجه الهولنديين. فسماهم هذا الأفاق:"عصابة"وأوصى الحكومة باتباع سياسة العنف والإفناء لهم. وبين لها الطريقة لإخضاع آتشيه عام 1892 م (السامرائي ص 127) .
وحاول أن يلقن المسلمين كيف يكون المسلم (الخانع القابل للإستعمار) في سلسلة مقالات أبدى فيها الوجه الإستعماري التمثيلي سافرا - فقد تقمص شخصية كاتب مسلم جاوي فيقول في إحدى مقالاته:"لم ألق إلا في النادر أناسا من أهل بلدنا من كان يرى أننا جديرون بأن نتخلص من وصاية الأوروبيين التي فرضها الله علينا" (السامرائي ص 109) ..
وانصبت خطته حول ربط المستعمرات في إندونيسيا بروابط ثقافية أوروبية بهولندا، حتى تسلب هذه الوحدة"كل خلاف ديني من أهميته السياسية والاجتماعية"هذه الوحدة في نظره تنبثق في فكرة الترابط الثقافي التي تخضع العالم الإسلامي. وقصده إبدال الإسلام بثقافة أوروبية وعندها تسهل التبعية السياسية والدينية. (السامرائي ص 109) . فهو يمثل بالفعل سياسة الاستشراق، وحلقة من حقلاته الخبيثة في ربط المسلمين بعجلة الثقافة الغربية إلى الخلف!!.