المحلية، وسعى السوفييت لتقويتها لتفتيت المسلمين [1] . فقد تعرضت اللغات القومية إلى هجومين داخلي وخارجي:
ويرمي الهجوم الداخلي إلى جعل اللغات القومية عصرية، والقصد من ذلك تطهيرها من الكلمات الدينية والعربية والفارسية. ويكمل هذه اللهجة ما يدخل على اللغات القومية من مصطلحات جديدة سياسية واقتصادية وفنية وقانونية مأخوذة من اللغة الروسية، أو من اللغات العالمية وليست منحوتة من أصول اللغة ذاتها، كما كان يفعل فيما مضى، وتحتفظ هذه المصطلحات الجديدة بصورتها اللفظية كما هي في الأصل، وتجري في صرفها ونحوها مجرى اللغة الروسية، وتهدف السياسة المتبعة إلى إحلال اللغة الروسية محل اللغات الإسلامية، لكي تباعد بين أصحاب هذه اللغات وبين الأقوام التي تربطها صلات قربى، ليصبح من الصعب تفاهم الأقوام المسلمة الخاشعة للإتحاد السوفييتي مع الأقوام الإسلامية المستقلة مثل تركيا وايران وأفغانستان. هذا بالإضافة إلى أن ترويس اللغات المحلية هو وسيلة لفرض الثقافة الروسية.
وأما الترويس الخارجي أي اتخاذ اللغة الروسية لغة أم أولى أو ثانية فهو وسيلة أخرى لتقريب الشعوب الإسلامية من الشعب الروسي، ولا بد للشباب المسلم الذي يريد متابعة دراسته العالية من الإلمام باللغة الروسية، كما أنها شرط لبناء مستقبله وبخاصة في الحياة. . . ورغم ذلك فإن نسبة المتروسين من المسلمين ضئيلة. وعلى كل فأصبح في الإتحاد السوفييتي 70 لغة محلية [2] .
وعمد الشيوعيون لاضعاف المسلمين وترويسهم إلى تهجير المسلمين، واستيطان الروس في البلاد الإسلامية. وقد وجد أن قبول الروسية أكثر سرعة في الجاليات التي تنتقل إلى منطقة غير منطقتها، حتى ولو كانت المنطقة التي تنتقل إليها منطقة إسلامية، وخاصة إذا كانت في المدن. وقد تعرضت بلاد الإسلام في الاتحاد السوفييتي لغزوات شركات صناعية روسية، فرت أمام الغزو الألماني سنتي 1360 هـ / 1941 م و 1362 هـ / 1943 م واستعمرتها، كما جاءتها أفواج كثيرة من المهاجرين، فأحدث هذا الغزو انقلابا إقتصاديا مصحوبا بانقلاب في السكان، ومثل ذلك آسيا الوسطى التي تأثرت أكثر من غيرها بهذه الهجرة. فزادت نسبة الروس على حساب المسلمين، وبذلوا كثيرا من المساعي لطبع المسلمين بالطابع الروسي الذي أخذ يبدو أكثر وضوحا وحِدّه إذ أنها لم تعد موجهة إلى قبضة من النخبة بل أصبحت خمس الشعب كله [3] .
كما فرض الشيوعيون سياسة العزلة للمناطق الإسلامية بعضها عن بعض من ناحية، وبعضها عن الأقطار الإسلامية من ناحية أخرى - فلقد عاش المسلمون فترة طويلة في ظل الحكم الشيوعي وهم في كأس مغلق بعيدين عن العالم الخارجي وهو ما يسمى بالستار الحديدي (1391 - 1398 هـ / 1920 - 1978 م) فأبعدتهم روسيا عن التيارات العالمية وعن
(1) مجلة المجلة - ربيع الثاني عام 1400 هـ.
(2) انظر: المسلمون في المعسكر الاشتراكي للكتاني ص 58.
(3) المسلمون في الاتحاد السوفييتي ص 262، 265، 318، 327.