وأما فرديناند وايزابيلا ملكا اسبانيا فقد غلب عليهما العداء للإسلام، والمسلمين، وشنا حربا لا هوادة فيها على البقية الباقية من المسلمين في شبه جزيرة أيبريا، إلى أن نجحا في القضاء على آخر معقل إسلامي هناك - غرناطة - (898 هـ / 1492 م) . وكانا يمنيان النفس ببعث عهد الحروب الصليبية، وإنفاذ حملة، لانتزاع بيت المقدس من أيدي المسلمين [1] ، وأما كولمبوس الذي عمل لحسابهما، فكان على طرازهما، وطراز هنري الملاح، تبرز فيه الناحية الصليبية، فقد رسمت الصلبان على أشرعة السفن، التي أقلته في رحلاته، وكان يتوق لرفع الصليب عاليا في أراضي (خان الكبير) في الصين، وتحويل ملايين الوثنين إلى النصرانية، ولكنه شجع تجارة الرقيق ومارسها [2] .
وبعد: فماذا كانت نتيجة هذه الكشوف الجغرافية على بلاد الإسلام؟
لقد تغيرت طريق التجارة عن بلاد الإسلام، والبحر الأبيض المتوسط، إلى المحيطات الكبرى - الأطلسي، والهندي، والهادي - فأدى ذلك إلى ضعف تجارة المسلمين، ثم ضعف الصناعة، والزراعة، فقد هجر الناس المدن إلى الأرياف، وعاد الكثير منهم إلى البادية، فكسدت البضاعة، وخوت الأسواق، وقل عدد سكان المدن، فأصبحت قرى، الأمر الذي أدى مع الزمن إلى عزلة المسلمين، وإلى شيوع الجهل، والتأخر، والأمية.
وأما من الناحية العسكرية، فقد طمع الصليبيون بعد أن أحاطوا بالعالم الإسلامي، بوصول"مجلان"إلى الفلبين شرقا، ملتقيا النفوذ الاسباني بالبرتغال في أقصى المشرق من العالم الإسلامي، فحاولت إسبانيا، وفرنسا، والبرتغال من أتباع الكنيسة الكاثوليكية الاتصال مع الحبشة الأرثوذكسية، للقيام بغزو بحري إلى كل من عصب، ومصوع، وسواكن، على أمل غزو الحجاز، وهدم قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالفعل قامت البرتغال بحملة دخلت البحر الأحمر، ووصلت إلى ينبع، وتحطمت أثر عاصفة هوجاء، وأمام هذا التحدي الصليبي، عجز المماليك عن المواجه، فتوجه السلطان سليم العثماني إلى الشام (922 هـ / 1516 م) ، فضمها إلى الدولة العثمانية، ثم ضم مصر عام (922 هـ / 1517 م) [3] ، وامتدت الدولة العثمانية وانتصبت ترد كيد الصليبيين، ولكن دون أن تستطيع استعادة سيطرة المسلمين على البحار، خلال البحر الأبيض المتوسط، ولكنها استطاعت أن تمنع الصليبيين من مهاجمة قلب ديار الإسلام، وشمال افريقيا، وتولت أمر الخلافة والدولة، فكبحت جماح رغبة الصليبيين الشريرة، وامتدت في أوربا، مما دفع الصليبية إلى مواقف الدفاع، لفترة طويلة أمام الدولة العثمانية.
ونتج عن حركة الكشوف الجغرافية: إكتشاف العالم الجديد، واستيطانه، في حركة سميت: الاستعمار الأوربي القديم - واتبعت أوربا الغربية أسلوب إبادة السكان، أو تهجيرهم، أو الاختلاط بهم، بعد إذلالهم، وفصلهم عن ماضيهم نهائيا، كما حصل في الامريكتين، واستراليا. وأصبح العالم الجديد امتدادا لأوربا، ومتنفسا لها، وظهيرا، في مواجهة الإسلام.
(1) أوربا في مطلع العصر الحديث ص 105.
(2) نفسه ص 109.
(3) د. علي حسون - الدولة العثمانية ص 48.