الصفحة 44 من 543

كما حقق الصليبيون رغبتهم، وأهدافهم، في تطويق العالم الإسلامي، وتحويل طرق التجارة عن بلاد الإسلام، وتسلم زعامة البحار، وتدفق الذهب، والفضة، وغيرهما من المعادن النفيسة إلى أوربا، وأدخلت تحسينات على بناء السفن التجارية، من الحجم، والحمولة، والسرعة، ومتانة الأجسام، وطرأ تقدم كبير على عدد لا يستهان به من العلوم الجغرافية، والفلكية، والتاريخية، فدخلت أوربا عصرا عرف في التاريخ الإقتصادي باسم: (الثورة التجارية) [1] . التي أدت بدورها إلى ظهور الطبقة البرجوازية في أوربا (الطبقة الوسطة) . وبدأت تقود حربا شعواء ضد الكنيسة وتسلط البابا ورجال الدين في حركة دعيت (حركة الإصلاح الديني - أو حركة الإنشقاق الديني) :

إذ زادت مساويء الكنيسة مع بداية حركة النهضة الأوروبية، واشتد عسف رجال الدين، وتحكمهم في عقول الأوروبيين. وكان البابا قد احتاج لنفقات كثيرة في تزيين (فرسكة) كنيسة القديس بطرس (الفاتيكان) ، فابتكر وسيلة لجمع المال وهي: (بيع صكوك الغفران) التي حولت أمر الدين النصراني إلى مهزلة حقيقة.

فتحرك بعض المفكرين وشكوا في عصمة البابا والأساقفة.

فظهر مارتن لوثر في ألمانيا (1483 - 1546 م) وانتقد صكوك الغفران. وحرمه البابا، فأسبغ عليه أمير سكسونيا حمايته، وأقام في قلعته، وترجم الإنجيل إلى الألمانية، ونشره، وأظهر مفاسد الكنيسة. فسمى أتباعه: البروتستنت (المحتجون) .

ومما يدل على تأثر لوثر بالفكر الإسلامي فكرته التي نشرها: (لا خلاص إلا بالإيمان) . وقوله:"ليس للبابا وحده حق احتكار تفسير الإنجيل"

وظهر كلفن في فرنسا (1509 - 1564 م) وسمي أتباعه: (الهيجونوت) . كما انفصلت الكنيسة البريطانية ودُعيت (الانجيليكانية) . وكان قد قام (زونجلي) (1484 - 1531 م) بحركة ضد الكنيسة الكاثوليكية في الأراضي المنخفضة، وانتهى أمرُه بمصرعه في معركة كابل عام 1531 م وقُطعت جثته، ثم حُرق.

وعلى كل فقد أصبحت أوربا الصليبية في الغرب دينيا كما يلي:

1 -الكاثوليك: وهم أتباع البابا في فرنسا، واسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، وألمانيا.

2 -البروتستنت: وهم الذين خرجوا على كنيسة روما ومنهم:

أ- اللوثريون: في ألمانيا، واستكندنافيا (السويد، والنرويج) .

ب- الكلفنيون (الهيجونوت) : في فرنسا، والأراضي المنخفضة (هولندا، وبلجيكا، ولكسمبورغ، والدانمارك) .

ج- أتباع الكنيسة الانجيليكانية في بريطانيا.

وقد أعقب هذا الانقسام صراع ديني مرير، استعمل فيه البابا سلاحا رهيبا وهو: ديوان التفتيش (أو محاكم التفتيش أو التحقيق) منذ عام 1478 م لمواجهة المنشقين.

وتمت مذابح دينية مرعبة من أشهرها مذبحة القديس (بارثلميو) عام 1571 م في فرنسا. حيث قضي فيها على الهيجنوت تماما في فرنسا. فهاجر البوير على أثر ذلك إلى جنوب افريقيا وأقاموا كيانا عنصريا لا يزال يعيش هناك.

وانزوى الدين عند الأوروبيين إلى الكنيسة وإلى يوم الأحد، وقد سايرت الكنيسة هذا الاتجاه تبعا للقاعدة التي سادت حياة أوربا: (الغاية تبرر الوسيلة) .

وقد واجه المسلمون الأمرين في أوربا. فأزيلوا تماما من أوربا الكاثوليكية: اسبانيا والبرتغال وفرنسا وايطاليا والعالم الجديد [2] . وتعرضوا لأبشع عمليات الإبادة التي عرفها التاريخ.

المرحلة الثانية: الاستعمار الأوروبي الحديث (الامبريالزم) :

وقام على استغلال خيرات البلاد المستعمرة (بفتح الميم) ، واستعباد سكانها، والسيطرة على مقدراتها.

(1) أوربا في مطلع العصر الحديث ص 125.

(2) انظر تفاصيل ذلك إن شئت: عبد العزيز الشناوي - أوربا في مطلع العصور الحديثة، عاشور: أوربا العصور الوسطى. ول ديورنت - قصة الحضارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت