الصفحة 45 من 543

وقد نتج هذا الاستعمار عن حركة في أوربا تسمى: حركة الثورة الصناعية.

أو (الانقلاب الصناعي) : وهي عبارة عن سلسلة من التغييرات في أساليب الصناعة، أصبح الإنسان بسببها يعتمد على الآلات في انتاج مصنوعاته.

وصارت هذه الآلات تدار بقوى غير بشرية، سخرها الإنسان أو اخترعها كالبخار، أو البترول، أو الكهرباء، وحديثا بالطاقة الذرية. وقد بدأت هذه الثورة في بريطانيا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، واستمرت بعد ذلك وانتشرت في أوربا، وأمريكا، منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وزاد الانتاج الصناعي زيادة هائلة، بقليل من النفقات، فاحتاج أصحاب المصانع إلى المواد الخام، والقوى المحركة، وإلى الأسواق لتصريف البضاعة، فتم استغلال الفحم في أوربا، واستخدم في استغلاله الأطفال والنساء، كما استخدموا في المصانع، فأدى ذلك إلى انحطاط الأخلاق وانتشر الفساد الخلقي، كما انتشرت عادة شرب الخمر، ولعب الميسر، وغيرهما من المفاسد الخلقية، واخترعت السكك الحديدية، لنقل المواد الخام، ولتصريف البضائع، وظهرت طبقة تحتكر المصانع، ازداد مالها زيادة فاحشة سميت بالطبقة الرأسمالية التي أصبح همها جمع المال وبأي وسيلة، وبالتنافس الحر دون قيد من دين أو تقاليد، الأمر الذي أدى إلى بؤس العمال في أوربا - وظهرت طبقة العمال الكادحة من عمال المناجم والمصانع. وأمام هذه التعاسة التي وقع فيها المجتمع الأوروبي ظهرت أفكار بشرية للإصلاح ولتحسين أوضاع العمال والنساء والأطفال. وحصل العمال على بعض الحقوق مثل: زيادة الأجور، وتحديد ساعات العمل، والإجازات الأسبوعية والسنوية والمرضية، والتعويض عند الضرر، والتأمين عند الشيخوخة والمرض المزمن وما إلى ذلك. . كما ظهرت فكرة تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في الأجر، وستتطور الفكرة لتأخذ أبعادا خطيرة. كما ظهرت قوانين حماية الأطفال! ونشأت في أوربا تبعا لذلك فكرتان متباعدتان متحدتان في المنشأ هما: الإشتراكية والديمقراطية، وهما على طرفي نقيض، تقوم علاقاتهما على التناقض والصراعات.

والرأسمالية دفعت الحكومات الأوربية دفعا لحركة الاستعمار، للحصول على المواد الخام، وإيجاد الأسواق لتصريف بضائعها، فتنافست الدول الأوربية في البحث عن مستعمرات، فكان العالم الإسلامي هدفا من أهدافهم - تحركهم ضده الخلفية الصليبية. ولذلك فالاستعمار الأوربي حلقة جديدة ومرحلة متصلة بالحروب الصليبية القديمة، وآية ذلك أن (اللورد اللنبي) القائد الانجليزي، بعد أن دخلت قواته القدس سنة 1337 هـ / 1918 م قال كلمته المشهورة الموحية بهذا المعنى:"الآن انتهت الحروب الصليبية".

وقد مهدت طوابير المبشرين (المخربين) والمستشرقين لحركة الاستعمار واتخذ الاستعمار الحديث أشكالا متعددة، وليس لبوسا متنوعة منها: الاحتلال العسكري، والاستعمار الاقتصادي عن طريق الشركات، وربط العملات المحلية غير المتكافئة بين الدولة المستعمرة القوية والدولة المستعمرة الضعيفة فتكون المعاهدة بالطبع في صالح الدولة القوية. والحماية والانتداب والوصاية. وأما أهم أنواع الاستعمار الحديث والمعاصر وأدومها أثرا فهو الاستعمار الفكري الذي لا يزال العالم الإسلامي يعاني منه ويعيش فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت