واتصل أهل قبرص النصارى بالروم عام 125 هـ، فجهز الوليد بن يزيد جيشا قبيادة أخيه الغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعين الأسود بن بلال المحاربي أميرا على البحر، وأعادت الجيوش الإسلامية فتح الجزيرة، وخيروا أهلها بين المسير إلى الشام أو الإلتحاق ببلاد الروم، فاختار جمع كبير من أهلها الذهاب إلى بلاد الشام. وأقامت قوات عربية إسلامية في الجزيرة حيث بقيت درع الدفاع عن بلاد المسلمين في الشام ومصر، حتى إذا ما بدأ الضعف يتسرب للدولة الإسلامية زمن البويهيين (334 - 447 هـ) ، كان أول عمل قام به نقفور ملك القسطنطينية أن أرسل حملة أعادت السيطرة البيزنطية على الجزيرة عام 354 هـ / 965 م، فأصبحت سندا للصليبيين فكانت المؤن تصل إلى ميناء السويدية ومعظمها من قبرص. واتخذت بحرية البيرنطيين منها قاعدة أثناء الحملات الصليبية.
واحتلها (ريتشارد) قلب الأسد عام (587 هـ / 1191 م) ، واتخذها قاعدة لحملته الصليبية على عكا، وباعها إلى إحدى الطوائف الدينية فرسان الداوية - الذين باعوها بدورهم للملك (غاي) سنة 588 هـ / 1192 م. وأصبحت مملكة عام 595 هـ / 1198 م، وانتابتها الصراعات الدموية والإضطرابات الكثيرة، وأخذت القبضات القوية تتناوب السيطرة عليها. ولكنها على الإجمال بقيت قاعدة صليبية متقدمة لمهاجمة المسلمين، وهاجر إليها كثير من الصليبيين وبقي المارون فيها إلى اليوم، فكانت قاعدة الملك لويس التاسع في حملته على مصر حيث أقام بها سنة كاملة سنة 646 هـ / 1248 م قبل أن يتوجه إلى مصر، وكان ملك قبرص الموجه للتعاون مع التتار (المغول) للقضاء على المسلمين.
وعندما تم تحرير عكا سنة 690 هـ / 1291 م على يد الأشرف خليل بن قلاوون، بقيت قبرص الحكومة النصرانية الوحيدة التي تابعت الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي، فأصبحت مقر أعمال القرصنة الصليبية ضد البلاد الإسلامية، ولذلك صمم الملك الأشرف على تحريرها وأمر بعمارة مائة سفينة وكان يهتف دائما - قبرص - قبرص - قبرص [1] . غير أن تهديدات المغول عاقته عن تنفيذ أهدافه. كما هاجمها السلطان المملوكي برسباي بثلاث حملات، حيث أسر المسلمون ملكها في الحملة الثالثة عام 830 هـ / 1426 م، الذي رحل إلى القاهرة مع كثير من الأسرى، وأحضر لمقابلة السلطان برسباي بحضور ممثلين عن الدولة العثمانية وشريف مكة وملك تونس وممثلي القبائل العربية، وأقيمت إحتقالات رائعة بالقاهرة ابتهاجا بهذا النصر. فأصبحت قبرص تحت حماية مصر وتدفع لها الجزية إلى أن احتلها البنادقة عام 895 هـ / 1489 م [2] .
ظهرت الدولة العثمانية وأخذ الأتراك العثمانيون على عاتقهم حماية العالم الإسلامي، وتولوا قيادة الجهاد ضد الصليبيين، ونقلوا الصراع من آسيا إلى أوربا، واحتفظت قبرص بأهميتها كقاعدة متقدمة للصليبيين بالرغم من انتقال مسارح العمليات وتحرك مراكز ثقل القتال، واستخدمها البنادقة قاعدة للعدوان على المسلمين، فتوجهت لها همة العثمانيين ففتحوها عام 979 هـ / 1571 م، ولاحقوا البنادقة فأخرجوهم من كريت عام 1080 هـ / 1669 م. وبهذا
(1) العصلي ص 300.
(2) المسلمون تحت السيطرة الرأسمالية ص 77.