يكون خروج البنادقة من قبرص نهاية الحروب الصليبية في المشرق حقيقة فخلت ديار الإسلام من كل أثر صليبي [1] وعادت قبرص إلى دار الإسلام.
بقى العثمانيون في قبرص ثلاثة قرون تقريبا، عملوا من بدايتها على توطيد دعائم الإسلام في الجزيرة، فقد أسكنها السلطان سليم الثاني حامية عثمانية منذ أن فتحها. وقام فيها الدعاة، فأصبح المسلمون ثلاثة أمثال النصارى عام 1205 هـ / 1790 م، فأصبحت قبرص بلادا إسلامية وجزءا من ديار الإسلام بأرضها وأهلها، وشهدت الأمن والرفاه في ظل وضعها الطبيعي ضمن دار الإسلام. وتمتع النصارى بالأمن وأعاد العثمانيون للكنيسة الأرثوذكسية نفوذها [2] .
قبرص في ظل الإحتلال البريطاني:
ضعفت الدولة العثمانية، وطمعت الدول في تخطف أطرافها والإستيلاء على أجزائها، فكانت الحروب لا تفتر بينها وبين جيرانها من روسيا والنمسا، وكانت كل من بريطانيا وفرنسا تدعي أحيانا مناصرتها وتقف في وجه الروس، وأحيانا تعلن عليها الحرب لتسلخ جزءا من أرضها. و كانت سياسة بريطانيا تنصب على الحفاظ على الهند (درة التاج البريطاني) فعمل دزرائيلي رئسي وزراء إنكلترا اليهودي على فرض معاهدة على الدولة العثمانية عام 1296 هـ / 1878 م، باسم: التحالف الدفاعي، قبلت فيه الدولة العثمانية الإحتلال البريطاني لقبرص، مقابل ضمان بريطانيا الدفاع عن الممتلكات العثمانية في آسيا ضد روسيا، كما تعهدت بريطانيا بدفع مبلع 92800 جنيه سنويا وهو ما يفيض عن ميزانية قبرص. وادعت أن الإحتلال مؤقت ريثما تعيد روسيا للعثمانيين المناطق التي احتلتها وهي أقاليم قارص، وباطوم، وأردهان. وفي الوقت نفسه إتفقت بريطانيا مع فرنسا أن - تطلق يد فرنسا في تونس التي كانت تسعى لاحتلالها، ومع روسيا على أن تحتفظ بالمناطق التي احتلتها، وتوجت تلك الإتفاقيات بعقد مؤتمر برلين عام 1296 هـ / 1878 م ليعطي الصفة الدولية والقانونية لهذه الإتفاقيات الجانبية والسرية [3] . وكانت بريطانيا تهدف إلى اتخاذ قبرص قاعدة للعدوان على المسلمين.
كان أكثر سكان قبرص من المسلمين فعملت بريطانيا على إضعافهم بتشجيع هجرة النصارى من بلاد اليونان إلى الجزيرة. وفي الوقت نفسه ضيقت على الأتراك المسلمين في سبيل تخليهم عنها والهجرة منها فانخفضت نسبة المسلمين وارتفعت نسبة النصارى تدريجيا. ففي عام 1890 م كان عدد سكان الجزيرة 80000 نسمة، 60 ألفا من المسلمين [4] ، و20 ألفا من النصارى.
(1) العسلي ص 302، المسلمون تحت السيطرة الرأسمالية ص 78.
(2) نشرة معهد الأقليات المسلمة ربيع الثاني سنة 1398 هـ، المسلمون تحت السيطرة الرأسمالية ص 79.
(3) المسلمون تحت السيطرة الرأسمالية ص 81.
(4) نفسه ص 78 وانظر نفسه ص 88 - 89.