الصفحة 473 من 543

واستمرت السفن الإسلامية بعد أن قامت دولة الإسلام وضمت شبه الجزيرة، تحمل بين الحين والحين بعض الذين طاب لهم الإستقرار بالساحل الأفريقي، للإتجار، فزاد عدد الوافدين، وزادت العلاقات مع الداخل، والتوغل فيه، وخاصة في زمن الدولة الأموية [1] .

وفي زمن عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ) هاجر بعض الأمويين إلى شرقي أفريقيا وعاشوا بها، وكان هذا الإستقرار قد حدث بهدوء وبدون قوة أو عنف، ولا يذكر لنا التاريخ حروبا أو معارك وقعت بين المهاجرين والسكان الأصليين. وأثر الإسلام في شرقي أفريقيا حتى اللغة السائدة أصبحت لغة أفريقية عربية (اللغة السواحلية) وأصبح للعرب إمارات في سواحل القارة الشرقية لها اتصال بالجماعات العربية الملسمة في شبه الجزيرة العربية، وبالتجار والقبائل في القارة الأفريقية. وتتابعت الهجرات المسلمة إلى (بر الزنج) (كما دعاه المسلمون) [2] فانتشرت أولا في بعض الجزر الساحلية مثل مافيا وزنجبار وبمبا، ثم في المراكز السياحية الشهيرة مثل: سفالة، ومالندي، وكلوا، وممبسة، ودار السلام. وقد ازدهرت هذه المدن، واختلط العرب المسلمون بالأفارقة والشيرازيين (من الفرس) [3] ، حتى جنوب موزمبيق. وزاد ذلك من ازدهار مدينة مقديشو في الصومال، وكلوا على الساحل التانزاني، ومالندي وممباسا في كينيا، وسوفالا (سفالة) في موزمبيق. وكانت أشهرها جميعا مدينة زنجبار [4] . وقد زار ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي كلوة ومممبسة ومقديشو ودهش لما كانت عليه هذه المدن من تنظيم ومن حالة الرخاء السائدة في هذه المناطق. ووصف الشوارع المنظمة التي رآها ومنازل العرب المبنية هناك من الحجارة والمونة، ذات النوافذ الخشبية المزينة بالنقوش المحفورة، كما كانت للمنازل حدائق غناء، وشاهد المساجد المزينة بالنقوش. كما وصف إختلاط العرب بالسكان [5] .

وقد أوجد العمانيون مراكز تجارية على طول الساحل الأفريقي الشرقي ثم تحول هذا الوجود إلى وجود سياسي استطاع الأئمة في عمان أن يمدوا سلطانهم على سواحل الصومال وأقاموا فيها إمارت تابعة لهم. وظل سلطانهم قويا في كلوة ومافيا وبمبا وزنجبار حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين بدأت الدول الأوروبية تلتهم أملاك سلطان زنجبار. وكان العمانيون قد صارعوا البرتغاليين، مدة طويلة، ووقفوا في وجههم واستمروا يناوئون الأوروبيين من أواخر القرن السادس عشر إلى أن تم انشطار القسم الآسيوي عن القسم الأفريقي، باستقلال زنجبار عن عمان عام 1861 م بأساليب الإنجليز الماكرة، وتحكيم (لورد كاننج) حاكم الهند العام بين الأخوين (ماجد) و (تويني) . فأصبح ماجد يحكم زنجبار، وتويني يحكم عمان [6] ، فأصبحت عمان كلها تسير في الفلك البريطاني وذهب ريحها.

(1) حسن محمود ص 435 - 436.

(2) حسن محمود ص 437 - 437.

(3) نفسه ص 438.

(4) جوان جوزيف - الإسلام في ممالك أفريقيا السوداء ص 139.

(5) رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 269 وص 279.

(6) عبد الرحمن عبد الله الشيخ - دول الإسلام - ص 20 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت