الصفحة 479 من 543

القرن الثامن عشر [1] . فكانت (لشبونة) في البرتغال و (ليفربول) في انجلترا من أشهر أسواق العالم في تجارة الرقيق تمدان العالم الجديد بما يحتاجه منهم. فليس بعيدا عن الصواب إن قيل:"إن لشبونة وليفربول قد بنيتا على عظام الرقيق الأسود ودمائه" [2] .

ويقدر عدد ما وصل إلى المستعمرات الأوروبية كلها بأربعين مليونا خلال 1091/ 1201 هـ 1680/ 1786 م، وإذا قدرنا أن ما وصل فعلا كان نصف ما خرج من أفريقيا بسبب صعوبات النقل والأمراض والمعاملة القاسية لأدركنا أي كسح تعرضت له القارة الإفريقية خلال هذا القرن، فقد خسرت قرابة ثمانين ميلونا من أبنائها في هذا القرن فقط، ويقدر البعض العدد بما لا يقل عن مائة مليون، كما بلغ في بعض القول على مدى خمسة قرون نحو 500 مليون نسمة، فأدى إلى الفقر في الأيدي العاملة والإنتاج، وإلى انهيار العديد من الإمارات الأفريقية [3] . فأصبحت الكشوف الأوروبية في أفريقيا نهبا وسلبا والسلب صار استرقاقا جماعيا.

وتعاونت الكنيسة مع المستعمرين وأعلنت أنها ستعمد العبيد المرسلين إلى أمريكا، وراح مندوبها يجلس على مقعده الرخامي على الشاطيء فيعمد العبيد، ويقبض نصيبه من رسوم التصدير التي أصبحت موردا هاما من موارد الكنيسة [4] . كما أسهم الفلاسفة بنصيب في تجارة الرقيق فيقول (مونتيسكيو) 1101 هـ 1169 هـ / 1689 - 1755 م):"إن لنا حقا مكتسبا في اتخاذ الزنوج عبيدا. وإن شعوب أوروبا بعد أن أفنت سكان أمريكا الأصليين لم يعد أمامها إلا أن تستعبد شعوب أفريقا لكي تستخدمها في استغلال هذه الأقطار الفسيحة، فما هذه الشعوب إلا عناصر سوداء البشرة من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ولا يمكن أن الله جلت قدرته وهو ذو الحكم السابغة يضع روحا طيبة في مثل هذا الجسم الحالك السواد" [5] .

وكان التنافس بين الشركات الأوروبية في هذه التجارة يدفعها إلى أن تضع كل شركة علامة خاصة على رقيقها كما توسم الماشية، وكانت هذه السمة حرقا في مكان خاص من أجساد الرقيق. وبقيت هذه القارة تنتهك حرمتها وتدمر مقدساتها وتفسد أخلاق حكامها وأهليها وتشوه حياتها الإجتماعية وتنهار صناعاتها حتى غرق جزء كبير منها في غيابت الظلمات والجهل ولم تفق منها تماما حتى الآن [6] .

ولما ألغت بريطانيا الرق عام 1218 هـ / 1803 م هدفت إلى ضرب الإقتصاد الأمريكي بعد أن استقلت أمريكا سنة 1190 هـ / 1776 م وكانت زراعة القطن فيها قائمة على أكتاف الزنوج، وكان ذلك مما يساعدها على أن تنتج إنتاجا رخيصا لا يقوى الإنتاج الإنجليزي على

(2) شوقي الجمل ص 141.

(3) الأفريقيون والعرب للعمري ص 99.

(4) زاهر - رياض - الاستعمار الأوروبي لافريقية ص 138.

(5) شلبي ج 6 ص 437 عن كتاب روح القوانين، والعمري ص 96.

(6) انظر: الافريقيون والعرب ص 93 - 97، شلبي ج 6 ص 435.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت