الصفحة 480 من 543

منافسته ثم إن بريطانيا بعد أن فقدت أمريكا اتجهت إلى أفريقيا وأرادت أن تحتفظ باليد العاملة فيها لتكون هذه اليد في خدمة الإستعمار البريطاني لاستغلالها بشكل خاص في زراعة زيت النخيل. كما أرادت بريطانيا وهي تتظاهر بالدفاع عن الإنسانية ومحاربة الرقيق - أن تتسلط على مقدرات أفريقيا باسم مقاومة تجارة الرقيق. فقد راحت تعقد المعاهدات مع السلاطين والزعماء لتقضي على هذه التجارة وتولت جيوشها مكافحة هذا الداء، واتخذت ذلك وسيلة لتتسلط على القارة ولتمد نفوذها الإستعماري فأصبح لها السلطان داخل البلاد فحكمت على الأفريقي بالرق في بلاده وكان قبل رقيقا خارج هذه البلاد [1] فقد أعادت الرق إلى شرقي أفريقيا على شكل آخر، وتسميات جديدة، فأنشأت المستوطنات الأوروبية المحتاجة للعمالة الإفريقية، وقام أصحاب المال الإنجليز بتأسيس المزارع مع بداية القرن العشرين، فقامت بتشجيع رؤساء القبائل أو الزعماء المحليين لإرسال رجال قبائلهم للعمل في هذه المزارع، وبلغ الأمر أحيانا إلى فرض نظام السخرة (العمل الإجباري) ، كما حصل في زمن الحاكم الإنجليزي (بيرسي جيرورد) في شرق أفريقيا عام 1909 م. وهكذا انتهى عصر الرقيق ليحل محله عصر السخرة [2] ، على أيدي الدول التي تسمي نفسها حاملة رسالة التحضر للعالم!!

وكان للرق نتائج هامة على أفريقيا:

1 -إذ لما تحرر الأفريقي وترك بلا تجارب وبدون تعليم (بعد قرون من العبودية في جو من القذارة والجوع والتبعية والخوف) كان لا بد أن يظهر منه أحيانا العجز أو الإهمال، ولما كان قد اعتاد على عدم الملكية فإننا نراه بعد التحرر لا يعبأ بالملكية ويبدد ما بيديه، ولم يكن له تحت نير العبودية أسرة وأولاد فأصبح بعد التحرر يضيق بمسؤليات الأسرة والأولاد. والعجيب أن الرجل الأبيض أصبح يعد هذه الصفات طابع الزنجي ويجسبها عارا فيه ونسي أنه هو الذي غرس هذه الصفات في الزنجي وأنه الذي حرمه سبيل الحياة الشريفة والفكر السليم.

وبالنسبة للإسلام كانت الخسارة مضاعفة إذ أن هؤلاء تحت ضغط السيد الأبيض نسوا تراثهم الإسلامي، وجاء بعدهم أولادهم وأحفادهم فلم يعرفوا من الإسلام ولا اسمه، فقد كان استرقاق المسلم يعني حسبانه من الوثنين ومعاملته على هذا الأساس. وكان الاستعمار حريصا أن يخلع الأفريقي من ماضيه فكان لا يجمع في مكان واحد بالأرض الجديدة رقيقين يتكلمان لغة واحدة أو يربطهما دين واحد أو أرومة واحدة لأن عزل الأفريقي عن ماضيه كان أساسا لحياة الرق أرادها الرجل الأبيض للرجل الأسود [3] . كما وجدت الحساسية في نفس الأفريقي تجاه كل ما هو أجنبي وحاولت أوربا منذ وضعت أقدامها في القارة إزاحة العناصر العربية ومحاربتها لأنها اعتبرتها عائقا أو حائلا دون الإنفراد بأفريقيا جنوب الصحراء، خاصة بعد ما وجدت أن هذه العناصر أقامت تجارة ذات رواج في الأقاليم التي وصلت إليها وأن علاقتها بالأفارقة علاقة حسنة وتعاون ينتج عنه إنتشار الإسلام، فأخذت أوروبا والهيئات التبشيرية والإدارات الإستعمارية توحي دائما للأفريقيين بأن العرب هم أرباب النخاسة وهم تجار الرقيق الذين ساقوا

(1) شلبي ج 6 ص 447.

(2) دول الإسلام وحضارته / عبد الرحمن الشيخ - ص 31.

(3) شلبي ج 6 ص 447.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت