الصفحة 486 من 543

وتاريخ هذه المشكلة طويل حافل بالآلام والآثام، بدأت بتجريد القارة من بنيها السود بالرق، ثم وضح في شمال أفريقيا في منطقة النفوذ الفرنسي، وخاصة في الجزائر بحرمان أهل البلاد من الوظائف الحكومية وأعمال الإدارة فيما عدا الأعمال الثانوية، وما تدفعه حكومات الإحتلال من مرتبات ضئيلة، ومحاربة الإسلام واللغة العربية، واقتطاع المحتلين وعملائهم وصنائعهم أخصب الأراضي وأكثرها إنتاجا، وكذلك التفرقة في المعاملة بقوانين ما وراء البحار بين المستوطنين الأوروبيين وأهل البلاد.

ووضح الإضطهاد العنصري يبن السود في سائر المستعمرات على اختلاف ألوان الحكام في تشغيل العمال السود في المناجم والمصانع والمزارع والغابات بما يعادل عشر أجر العامل الأوروبي، وبحرمانهم من نور العلم ومن وسائل العلاج والعناية الصحية، وبانتزاع أخصب الأراضي وإقطاعها للأوروبيين المستوطنين، وبمنعهم إما بحكم القانون أو بناء على الأمر الواقع والتصرف العملي، من ارتياد مدن البيض ومساكنهم ومتاجرهم ومقاهيهم وأماكنهم العامة ووسائل المواصلات والجامعات الخاصة بهم، وبوضع تشريعات خاصة بالسود فحسب تصب جام غضب المستعمر عليهم وتقيدهم في أصفاد التأخر وتحرمهم الحقوق السياسية وأهم الحقوق المدنية [1] . وقد قاد (رودس) السياسي البريطاني المتعجرف هذه السياسة في جنوب أفريقيا بعد أن قضى على دولة (الميتابلي) الأفريقية واستولى على معظم أراضيها عام 1893 م. وقال:"إن غير المتحضرين يجب أن يتركوا المجال للمدنية والحضارة، وإن الحرب لم يكن منها مفر لضمان استقرار واطمئنان المستوطنين الأوروبيين [2] . فهذه نظرة الأوروبي الأبيض للإفريقي وحقوقه، وهذه شريعته ووسائله في الوصول إلى هدفه!!"

واستمر هذا التمييز في روديسيا الجنوبية (زيمبابوي) إلى أن انهار بعد نضال طويل تحقق فيه النصر للأغلبية الأفريقية. وبقيت أفريقيا الجنوبية حيث تتجاهل الأقلية البيضاء كيان الأغلبية وحقوقها وتستعمل وسائل البطش البوليسي والعسكري بما يشبه أسلوب الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

فقد اقتبست جنوب أفريقا من إسرائيل وسائل عديدة من أساليب القمع والتمييز وزعزعة الإستقرار بإصدار قوانين الطواريء التي تقضي بالإحتجاز لمدة طويلة دون محاكمة، وإبعاد قطاعات من السكان قسرا عن ديارهم والتمييز في ميزانيات التعليم والصحة وغيرهما، واقتبست أيضا سياسة التعقب الساخن عبر حدود الدول المجاورة ضد المناهضين لنظامها العنصري. فكانت ولا تزال تشن غارات عبر إنجولا وموزمبيق لضرب قواعد ثوار المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة مانديلا. وتحظر على العمال السود البقاء في مدن البيض بعد ساعات العمل والإستغلال [3] .

(1) الأفريقيون والعرب - د. أحمد سويلم العمري ص 100.

(2) شوقي الجمل ص 601.

(3) الشرق الأوسط ص 8 الأربعاء 21/ 8 / 1985 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت