الصفحة 514 من 543

من تشريد وحرمان وسجن ثم اغتيال إذا استدعى الأمر ذلك، وهذا هو الواجب الأول على الحكام الذين كان يعينهم الإمبراطور على مختلف مقاطعات الدولة [1] .

وسيطرت بريطانيا على أريتريا فواجهت تدهورا اقتصاديا متعمدا لسوء الإدارة البريطانية، واضطراب الأمن، وتشجيع عمليات الإرهاب والنهب الواسعة التي تستخدم القوة والعنف وذلك من أجل أن تعدها للضم إلى الحبشة، فأهملت المصانع والمشروعات السابقة، وقامت ببيع كثير من المنشآت الأريترية، مثل قاطرات السكك الحديدية وقضبانها، وأعمدة التليفونات الحديدية، والمعدات الخاصة بالمشاريع الزراعية، واستخراج بعض المعادن، ومصانع الأسمنت، والأحواض العائمة لإصلاح السفن. كل ذلك بحجة أنه من غنائم الحرب، وبحجة استرداد الإعانات والديون التي في ذمة أريتريا. وعملت على إثارة الخلافات بين طوائف السكان، وقسمت أريتريا إلى مناطق على أساس الدين والثقافة، فجعلت اللغة العربية والإنجليزية لغتي التعليم في المناطق الإسلامية التي ضمت أغورادت، وكرن، ونفقه، وجعلت اللغة التجرينية والإنجليزية في المناطق النصرانية والتي ضمت: الهضبة، والشواطيء، فأذكت بذلك الخلافات الطائفية، وعمقت التفاوت من حيث المضمون في بعض المناهج الدراسية. وهذه السياسة نفسها التي اتبعتها في الهند، وفي فلسطين، وفي معظم البلاد الإسلامية التي وقعت فريسة للسيطرة الإنجليزية. وشجعت الأحزاب السياسية على أسس طائفية، ثم اقترحت على هيئة الأمم تقسيم أريتريا على هذا الأساس الذي وضعته. وتركت لأثيوبيا حرية الدعاية لضم أريتريا إليها، فبذلت أثيوبيا الأموال عن طريق الكنيسة وشجعت قيام حزب أرتيري. يؤيدها باسم (حزب الاتحاد مع أثيوبيا) كان معظم أعضائه من النصارى، وبعض المسلمين المقتنعين بضرورة الوحدة. واتبع هذا الحزب أساليب التهديد، والاغتيال، والتظاهر، والدعاية لضم أريتريا إلى أثيوبيا، وأنشأ هذا الحزب بالتعاون مع الكنيسة القبطية، والحكومة الأثيوبية منظمة سرية إرهابية تدعو للوحدة مع أثيوبيا، باستخدام وسائل الإغتيالات، والتهديد، وإشعال الحرائق، ومصادرة الأموال، وعرفت هذه المنظمة باسم (الانديننت) أي الوحدة. وأطقل عليها الاريتريون اسم (الشفتا) أي القتلة والسراق. وقامت على إرهاب المسلمين، فكانت تقطع رؤوسهم بالسيوف بعد تقييدهم أمام نسائهم وأطفالهم، وتصادر أموالهم ودوابهم، وكانت تحرق المزارع، وتترك على مسرح الجريمة خطابات ومنشورات يعلن فيها أفرادهم ولاءهم للإمبراطور (هيلاسي لاسي) ويهددون فيها أعداءهم بالموت. وكانت الصحف الأثيوبية تكيل لهم المدح، وتصفهم (بالوطنيين) . كما كانت الحكومة تمنحهم حق اللجوء السياسي، عندما تتظاهر بريطانيا بمضايقتهم [2] . وهذا الدور الذي قامت به المنظمة يشبه تماما دور المنظمات الصهيونية في فلسطين، وفي الفترة ذاتها.

فأسس المسلمون في مواجهة ذلك حزب الرابطة الإسلامية الأريترية عام 1946 م برئاسة (بابمر الميرغني) واختير محمد إبراهيم سلطان علي أمينا عاما له، وهدفه استقلال أريتريا ووحدة أراضيها، كما أنشأت عدة أحزاب صغيرة تحالفت فيما بعد لتكون الكتلة الإستقلالية الأريترية، وقد أنشأت هذه الأحزاب الصحف العربية والتجرينية.

(1) فتحي غيث ص 302.

(2) حامد صالح تركي ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت