كان من نتائج هذه التحديات ما يلي:
أولا: الابتعاد عن تطبيق الشريعة الإسلامية:
إن توالي هذه التحديات، والوقوف في وجهها تصدها الأمة ممثلة في علمائها، ومجدديها، وقادتها المخلصين، استنزف قواها، وقادها أخيرا إلى الضعف، وأخذ العالم الإسلامي يسير من ضعف إلى ضعف. وأخذ المسلمون يتخلون عن موقعهم الأساسي في قيادة البشرية، وتوجيهها إلى وجهة الخير التي يكلفهم بها الإسلام، وتخلو
ا عن التبعات التي أناطها بهم في كل اتجاه، حين قعدوا عن الاجتهاد وركنوا إلى التبعية والتقليد.
وانقطعت صلتهم بماضيهم وأسلافهم في الجهاد وتضحياتهم، فانحسر إرثهم الإسلامي في بطون الكتب، يدورون حوله، فأهدرت في الأمة روح الإبداع، والابتكار، وانقاد المسلمون إلى عصر من الجمود، وهو نوع من الانطواء على الذات في مواجهة التحديات، حفظ عليهم حضارتهم، وكيانهم، ولو في حالة توقف حضاري، والتزم علماء الأمة ومفكروها دائرة الحواشي، والمتون، وعكفوا على نصوص السابقين، وكتبهم، ينزلونها أحيانا منازل العصمة والقداسة [1] .
وفي الوقت الذي بدأ فيه العالم الإسلامي يتحرك من جموده، ويبعث الإسلام في مختلف مجالات حياته، وينفض عنه غبار الجمود، والتقليد، والجبرية، والتواكل، بقيام دعوات سلفية لإحياء الإسلام في قلب الأمة (كحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، والحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، والحركة الدهلوية في الهند، والسلفية في المغرب، وشركة إسلام والجمعية المحمدية في أندونيسيا، وحركة عثمان دنفويو في السودان الغربي) كان قد طغى سبيل الحضارة المادية، والتهم الاستعمار الغربي بلاد الإسلام، واشتد التحدي، فلم تنجح هذه الحركات في لم شعث المسلمين، وكان نجاحها محدودا، وفي بلاد معينة. فابتعد المسلمون عن تطبيق الشريعة بفعل هذا الاستعمار والصهيونية والشيوعية وأساليبها أكثر فأكثر [2] ، واشتد الأمران: الوهن الداخلي، والتآمر الخارجي، على الكيد للشريعة الإسلامية وتشويه معالمها فكريا، وصرف المسلمين عنها واقعيا.
وكان أول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية هو الهند، فقد أخذ الانجليز يلغون القانون الإسلامي آنا بعد آن، ويستبدلون به القوانين الوضعية، حتى تم إلغاؤه في أواسط القرن التاسع عشر، ولم يبق منه إلا ما يسمى بقانون الأحوال الشخصية، الذي يتعلق بمسائل النكاح والطلاق وغيرهما [3] .
وألغى الانجليز الحكم بالشريعة في السودان، عام 1317 هـ / 1899 م، وقد أخذ أساسا من قانون العقوبات الذي وضعه الانجليز للهند سنة 1277 هـ / 1860 م.
وفي العراق استبدل الانجليز فور الاحتلال بقانون الجزاء العثماني قانونا جديدا، أصدره قائد قوات الاحتلال، سنة 1337 هـ / 1918 م، باسم (قانون العقوبات البغدادي) . وفي تونس طبق القانون الوضعي عام 1333 هـ / 1914 م. وصدر بعنوان (المجلة الجنائية) واقتبست نصوصه من القوانين الفرنسية، والإيطالية.
(1) فتح الله ص 24.
(2) انظر وضف لوثروب ستودوارد للعالم الإسلامي في القرن الثامن عشر الميلادي. حاضر العالم الإسلامي ج 1 ص 259 - 260.
(3) فتح الله ص 104 - 105 عن أبي الأعلى المودودي / رسالة القانون الإسلامي وطرق تنفيذه ص 10 - 11. وانظر التفاصيل: أصول قانون العقوبات ص 13، 14.