وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا وفرنسا تدفعان الدولة العثمانية - دار الخلافة - إلى منزلق خطير جدا، يأخذ اسم الإصلاح وشكله، بينما ينطوي في داخله على أكبر المفاسد، وقد أعان على ذلك جنود الغزو الفكري من أبناء الدولة نفسها ورعاياها، فأصدرت الدولة العثمانية عقب مؤتمر باريس سنة 1272 هـ / 1856 م الذي أنهى حرب القرم [1] . قوانين عرفت باسم (التنظيمات الخيرية) - التجديدات - وتضمنت إنشاء ما يسمى بالمحاكم المختلطة والمحاكم التجارية تابعة للدولة نفسها وتطبيق قوانين أجنبية باسم دولة الخلافة الإسلامية ذات السيطرة الواسعة على المسلمين. وكان هذا هو حدث الأحداث في بداية انهيار التشريع الإسلامي من حيث التطبيق والتنفيذ. وحتى مجلة الأحكام الشرعية - الأحكام العدلية التي أصدرتها الدولة عام 1295 هـ / 1869 م وقننت فيها أحكام المعاملات من مذهب أبي حنيفة لتقابل ما يسمى بالقانون المدني في الأنظمة الوضعية - حتى هذه المجلة لم تكن تطبق إلا على رعايا الدولة فقط وفي الأحوال التي لا يكون فيها أحد طرفي النزاع أجنبيا، ثم مع ذلك استمرت عرضة للتحريف والانتقاص [2] إلى أن انحسرت دولة الخلافة ثم زالت.
وأما مصر: فقد تعرضت لحملة نابليون الفرنسية عام 1798 م الذي حاول تنحية الشريعة الإسلامية. فصرخ أحد علماء الأزهر (وهو الشرقاوي) في وجهه قائلا:"لو كنت مسلما حقا كما تدعي، لطبقت الشريعة الإسلامية في بلدك فرنسا، بدلا من تنحية الشريعة هنا، ووضع القوانين الوضعية".
وبعد فشل حملة نابليون - اتجهت فرنسا لتدعيم محمد علي باشا والترحيب ببعثات الطلاب المصريين في بلادها، وبعث العلماء والأطباء والقادة العسكريين إليه، ليكونوا في الحقيقة رسل التغيير، وحملة الحضارة الفرنسية. وكان في بداية هذا إدخال بعض القوانين التجارية والحربية إلى مصر نقلا عن قوانين فرنسا.
وظل النفوذ الفكري الفرنسي يتسلل إلى مصر حتى كان الخديوي إسماعيل الذي ربي في فرنسا، وصاغته صالونات باريس، وصداقاته المتعددة لرجالها ونسائها صياغة جديدة غريبة تماما عن الأمة، فكان مبهورا بما رأى وسمع، وكانت أمنيته التي صرح بها مرارا أن يجعل مصر قطعة من أوربا، فأسرف في تشييد القصور، وإقامة التماثيل والحدائق والمتنزهات والمسارح ودور الغناء بلا ضرورة ولا وعي، فأغرق بلاده في الديون، وأنشأ دار الأوبرا، واستقدم لها المغنيين والمغنيات، واستأجر أشهر موسيقي أوربا ليضعوا لها الألحان.
وكان إسماعيل هذا أول من تجرأ على هدم شريعة الإسلام هدما غير مسبوق في تاريخها، فقد أنشأ أول مدرسة للحقوق على النمط الفرنسي، فأصبحت مصدرا أساسيا لتخريج أجيال مقطوعة الصلة بشريعة الإسلام، ثم طورت لتصبح كليات واسعة النطاق.
ويذكر محمد طلعت حرب - الإقتصادي المصري الشهير [3] : أن إسماعيل لما أراد أن ينفصل بمصر عن الدولة العثمانية، وعد ملوك أوربا إن أيدوه أن يبدّل أحكام القرآن فيما يتصل بالحياة السياسية والاجتماعية، ويفصل السياسة عن الدين، ويطلق الحرية للنساء، بحيث يسرن في إثر المرأة الغربية، وينقل إلى مصر معالم المدنية الأوروبية.
(1) انظر د. علي حسون. الدولة العثمانية ص 158.
(2) انظر فتح الله ص 46 - 47، د. محمود مصطفى. أصول قانون العقوبات في الدول العربية ص 9 - 10، علي حسون ص 161 - 162.
(3) ويضيف فتح الله (ص 52) أن هذه الواقعة التاريخية لم نجد من يكذبها وهي مأخوذة عن: تربية المرأة والحجاب الذي نشر عام 1899 م ردا على كتاب قاسم أمين. تحرير المرأة. للدكتور ماهر حسن فهمي ص 140. طـ وزارة التعليم المصرية / ص 65 من طـ سلسلة أعلام العرب.