وغرقت مصر في الديون. فتدخل الأجانب بحجة حماية أموالهم حتى كان في الوزارة المصرية وزيران انجليزي وفرنسي. فدخلت رياح الانقلاب التشريعي وانتهت باحتلال البلاد كلها ثم فرض شريعة الغرب عليها.
أما في المغرب والجزائر فقد فصل علال الفاسي خطوات محاولة القضاء على الشريعة الإسلامية فقال [1] :
"كانت الشريعة الإسلامية هي المرجع الذي تؤول إليه كل القضايا، والقاضي الشرعي هو الذي يتولى الحكم في المسائل المدنية والجنائية، وفي نظام الأسرة كذلك."
ولكن الحماية الفرنسية بمجرد انتصابها حدت من اختصاصات المحاكم الشرعية، وقوت محاكم الأحبار اليهودية، وأسست المحاكم العرفية في القبائل البربرية، ولكن المحاكم التي كانت تطبق قوانين منظمة هي المحاكم الخاصة بالأجانب. أما المغاربة فإنهم كانوا يخضعون للعرف في القبائل البربرية، وللقانون المغربي حينما يرفعون للمحاكم الفرنسية، وللشريعة الإسلامية غير المقننة في محاكم القضاء. هذا في جنوب المغرب، أما في الشمال فقد احتفظت المحاكم الشرعية باختصاصاتها فيما يرجع للجنايات والجنح، والشئون المدنية والأحوال الشخصية. وأسست محاكم أسبانية مغربية للأجانب، وللقضايا التي فيها أجانب. . .
وهكذا أصبحت الشريعة الإسلامية معطلة وملقاة، لأن الاستعمار جعل من تسرب القانون الأجنبي سبيلا للقضاء على الكيان المغربي، وعلى الفكر الإسلامي في المغرب"."
ثم قال في لجوء الحكومة الفرنسية إلى استصدار الظهائر البربرية كوسيلة للعمل على إلغاء الشريعة خاصة بين البربر [2] :
"وهذه السياسة التي أطلقت عليها فرنسا اسم السياسة البربرية وقننتها منذ عام 1851 م في الجزائر حيث أخرجت القبائل من أحكام الشريعة الإسلامية زاعمة أن البربر الجزائريين هم الذيين طلبوا بعث أعرافهم، وتكوين أنظمة قضائية تقوم مقام القضاء الإسلامي."
وفي 29 أغسطس عام 1874 م ألغت فرنسا تلك الجماعات العرقية التي أسستها، وضمت القبائل البربرية إلى اختصاص قضاة المصالح الفرنسية الذين يطبقون عليهم القوانين الفرنسية، فيما عدا الاستثناءات المعروفة بقانون الأندية، وفيما عدا الأحوال الشخصية، فقد أبقتها على مقتضى العرف، ولكن قاضي الصلح الفرنسي هو الذي يطبقه.
وفي 10 سبتمبر عام 1886 م ضمت فرنسا اختصاصات المحاكم الشرعية في القطر الجزائري كله إلى دائرة قاضي الصلح الفرنسي.
وهكذا جعلت فرنسا من سياسة الرجوع إلى الأعراف الجاهلية قنطرة لضم الجزائر إلى المحاكم الفرنسية وتطبيق قوانينها بعد إلغاء القانون الإسلامي الشرعي.
وبمجرد ما تم بسط الحماية الفرنسية على المغرب استصدرت الإقامة الفرنسية ظهير عام 1914 م في عنفوان الحرب العظمى الذي يقضي باحترام العوائد البربرية. وتظهر أهمية هذا الظهير بالنسبة لإلغاء المحاكم الشرعية من التعليق الذي كتبه المسيو رينو قال:"فظهير 11 سبتمبر في نظر الفرنسيين سبيل إلى إخراج القبائل البربرية من الإسلام، لأن الفرنسيين متيقنون أن قبول التحاكم لغير الشريعة الإسلامية تخل نهائي من الإسلام. . ."وفي سبيل ذلك استصدرت الحماية عدة ظهائر وقرارات، وقد توج ذلك كله بظهير 16 مايو عام 1930 م.
وهكذا كان النتيجة أن ألغي العمل بالشريعة الإسلامية في معظم بلاد الإسلام. وبقيت زاوية ضيقة لها هي زاوية الأحوال الشخصية التي حاول تلاميذ الغرب زحزحة الشريعة عنها إلى أن أزالوها عن كثير من البلدان الإسلامية.
ثانيا: سقوط الخلافة العثمانية وتفكك الأمة الإسلامية:
(1) دفاع عن الشريعة ص 127 - 131.
(2) نفسه ص 159 - 161.