الصفحة 56 من 543

العثمانيون من شعب الغز التركي، وأصلهم من بلاد التركستان، نزحوا أمام اكتساح جنكيز خان لدولة خوارزم الإسلامية، بزعامة سليمان الذي غرق أثناء عبوره نهر الفرات سنة 628 هـ. فتزعم القبيلة ابنه (أرطغرل) الذي ساعد علاء الدين السلجوقي في حرب البيزنطيين فأقطعه وقبيلته بقعة من الأرض في محاذاة بلاد الروم غربي دولة سلاجقة الروم.

ويعتبر عثمان بن أرطغرل هو المؤسس الأول للدولة العثمانية، وبه سميت، عندما استقل بإمارته سنة 699 هـ / 1300 م، نتيجة لانحلال دولة سلاجقة الروم، وأخذت هذه الإمارة على عاتقها حماية العالم الإسلامي، وتولت قيادة الجهاد، وأصبحت المتنفس الوحيد للجهاد، فجاءها كل راغب فيه، واجتذبت المتحمسين لنصرة الإسلام من مجاهدين وعلماء ودعاة، فتمكنت بذلك من رد الصليبيين ونقلت الصراع من آسيا إلى أوربا [1] بعد أن كان العالم الإسلامي على وشك الوقوع بين كماشة الصليبية أحد فكيها: البرتغاليون في البحر من الجنوب الشرقي، وقواعدهم في شبه القارة الهندية، والفك الآخر: كان زحف الروس من الشمال.

وبهذه العاطفة الإسلامية المتأججة في نفوسهم ممتزجة بالروح العسكرية المتأصلة في كيانهم، حملوا راية الإسلام، وأقاموا أكبر دولة إسلامية عرفها التاريخ في قرونه المتأخرة، امتدت على ثلاث قارات هي: آسيا، وأوربا، وأفريقيا، فاستطاعوا إزالة الدولة البيزنطية من الوجود، واستولوا على البلقان، ودقوا أبواب فينا عاصمة الامبراطورية النمساوية على نهر الدانوب، ووصلوا جنوب روسيا، وساحل بجر الأدرياتيك، وهددوا روما نفسها مركز البابوية، فبسطت بذلك لواء الإسلام على ما يعرف اليوم بدول أوربا الشرقية، واليونان، وجزر البحر المتوسط، وأجزاء من ايطاليا، والنمسا، كما خضعت لها الأرض الممتدة من شمال القفقاس شمالا، حتى الصحراء الأفريقية جنوبا، وحدود المغرب الأقصى غربا، ومدت جناحها الشرقي حتى بلاد فارس، وجبال كردستان، شاملة مساحة من الأرض قدرت بأكثر من عشرة ملايين ميل مربع. فكانت أقوى دولة في العالم آنذاك [2] . وأبطلت عمل الكماشة الصليبية، وهددت أوربا، وألزمتها جانب الدفاع أمام الإسلام فترة طويلة من الزمن. وبقيت الحارس الأمين للعالم الإسلامي أربعة قرون، وأطلقت على دولتهم اسم (بلاد الإسلام) ، وعلى حاكمها اسم (سلطان) وكان أعز ألقابه إليه: (الغازي) أي المجاهد. أما اللفظان العثماني والتركي فهما من المصطلحات الحديثة. كما أطلق على جيوشها: (جند الإسلام) ، وعلى عالمها الديني: (شيخ الإسلام) [3] . وحكمت بالعدل بالعمل بالشرع الإسلامي. في القرون الثلاثة الأولى لتكوين هذه الدولة.

ويتساءل المؤرخون كيف تمكن الأتراك العثمانيون منذ البداية المبكرة أن يحرزوا الانتصارات على الدولة البيزنطية العريقة، وتأتي الإجابة على ألسنتهم. وفي مقدمتهم المؤرخ الشهير (ستافريانوس) الذي يؤكد"أن نصرهم لم يكن بالإمكان تحقيقه لولا عظمة الإسلام، وما غرسه في قلوبهم من حب عميق للقتال في سبيل الله، والرغبة الصادقة في نشر رسالة الإسلام، واستمد عثمان ومن خلفوه قوتهم من الفيض الدائم المتدفق من الغزاة أو المقاتلين في سبيل الله والدين، والذين وفدوا من كل أنحاء الأناضول ليقاتلوا ضد أعداء الإسلام".

(1) العسلي. الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية ص 300.

(2) علي حسون. الدولة العثمانية ص 9.

(3) برنارد لويس - الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية ص 468.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت