لقد تكونت في كل أنحاء الأناضول جمعيات الإخوة الإسلامية، تدعو للجهاد في سبيل الله، وتتعاون من أجل إعداد المجاهدين لإعلاء كلمة الحق، وكان شعارها الدائم (فضل أخاك على نفسك) . وحين زار الرحالة المسلم الشهير (ابن بطوطة) آسيا الصغرى في عام 1333 م وصف معيشتهم وتعاونهم وكرمهم وأعجب بسمو أخلاقهم، وعندما افتتح محمد الفاتح القسطنطينية عام 1453 م اتخذها عاصمة للإسلام، وكتب إلى أمراء المسلمين ينبئهم بهذا الفتح العظيم، فقال في رسالته إلى إينال شاه سلطان مصر المملوكي (1453 - 1460 م) :
"إن من أحسن سنن أسلافنا أنهم مجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم، ونحن على تلك السنة قائمون، وعلى تلك النية دائمون، ممتثلين بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) . ومتمسكين بقوله عليه السلام:"من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار"فهممنا هذا العام. . . . إلى أداء فرض الغزاء في الإسلام مؤتمرين بأمره تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) . وجهزنا عساكر الغزاة والمجاهدين من البر والبحر لفتح مدينة ملئت فجورا وكفرا، والتي بقيت وسط الممالك الإسلامية تباهي بكفرها فخرا. . ." [1] .
ولقد قدم المسلمون من الأتراك للنصارى في أوربا أمثلة صادقة حية تمثل سماحة الإسلام، وعظمة المسلمين، فاعتزوا به، وعزوا، وصار منهم كبار القادة في جيش المسلمين، وتولى كثيرون منهم أهم المناصب في الدولة [2] ، الأمر الذي أزعج أوربا، وجعلها تعقد التحالفات الصليبية المتكررة لطرد العثمانيين، ولكن الفشل كان لها بالمرصاد [3] ، فظهر في عالم السياسة الأوربية ما عرف باسم (المسألة الشرقية) التي كانت تعني حينذاك ضرورة تكاتف أوربا النصرانية لمواجهة خطر العثمانيين، وإيقاف تيار فتوحهم الجارف. وقد وصفها بعض الكتاب من الشرق ومن الغرب، بأنها مسألة النزاع بين النصرانية والإسلام، أي مسألة حروب صليبية متقطعة بين الدولة العثمانية القائمة بأمر الإسلام وبين دول النصرانية [4] .
وبعد أن أصاب الوهن المسلمين بما فيهم الدولة العثمانية تغير مفهوم المسألة الشرقية، وأصبحت تعني، ضرورة طرد العثمانيين من أوربا، وتقسيم ممتلكاتهم في هذا الميدان الأوربي، ثم تقسيم ممتلكاتهم جميعا، وخرجت التسمية الأوربية للدولة العثمانية باسم (الرجل المريض) ، وكانت روسيا القيصرية لا تنقطع عن إثارة الفتن بين دول البلقان، وتأليبهم على الحكم العثماني، ومدهم بالسلاح بدعوى التخلص من حكم المسلمين [5] . وبلغ التعصب بأحد كتاب فرنسا أن اقترح حلا للمسألة الإسلامية، القضاء على المسلمين، ونبش قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ونقل عظامه إلى متحف اللوفر بباريس [6] .
أما في بريطانيا، فتظاهرت بأنها تقف مع وحدة أملاك السلطان، وكانت تبتلع شيئا من أملاكه كلما حانت الفرصة، ثم تنتظر مدة لتهضم ما ابتلعته دون ضجة من بقية الدول الأوروبية [7] .
(1) عمر عبد العزيز عمر - تاريخ المشرق العربي ص 44.
(2) انظر: د. محمد كمال الدسوقي. الدولة العثمانية والمسألة الشرقية ص 14 - 15.
(3) كالتحالف الصليبي عام 1364 م وسنة 1396 م. معركة نيبوليس. وسنة 1479 م. انظر د. دسوقي ص 23، ص 26، ص 48. وتحالف الأساطيل الأوروبية حيث هزمت الدولة العثمانية في معركة ليبانت بعد سلسلة من هزائم تعرضت لها من الأسطوال العثماني عام 979 هـ / 1571 م.
(4) د. محمد محمد حسين. الاتجاهات الوطنية. ج 1/ 23 عن المسألة الشرقية ص 5 لمصطفى كامل.
(5) تاريخ الدلوة العلية ص 341.
(6) تاريخ الأستاذ الإمام ج 1/ 801.
(7) انظر - المسألة الشرقية لدسوقي. ص 280، ص 304.