لقد اتهم الكثيرون الدولة العثمانية بكل باطل، وألصقوا بها صورة التخلف الدائم، وتناقلت ذلك الأقلام الغربية الحاقدة على هذه الدولة، وعلى الإسلام وربطوا في غمرة حقدهم بين ذلك التخلف وبين الإسلام، ونسبوا له كل ما أصاب الدولة من ضعف ووهن، وكل ما جاء بها من كوارث ومشاكل على مر العصور، ونسوا أو تناسوا أن كل ما يصيب الأمة الإسلامية من خير وعزة، يصيبها دائما حين تتمسك بالقيم الإسلامية، وأن كل ما يحل بها من هوان، يحل بها حين يضعف تمسكها بالدين الحنيف، وأن الإسلام والتمسك به سر عظمة هذه الأمة.
وقد بقيت الدولة العثمانية عزيزة الجانب وهي تذود عن حمى الإسلام وأسدت خدمات جليلة للإسلام والمسلمين على امتداد تاريخها، ولكنها في الفترة الأخيرة من حياتها وقعت في أخطاء عديدة، أخطرها على الإطلاق هو: تشجيع الصوفية، وعدم اتخاذ الإسلام مصدرا أساسيا للتشريعات والقوانين والأنظمة التي تسير عليها الدولة - فكثر إصدار التشريعات والقوانين الوضعية فيما سمي بالتجديدات (كما ذكرنا) وذلك بسبب الضغوط الأوروبية، فتنكبت الدولة الطريق في مواجهة العواصف الاستعمارية، مما نتج عنه عدم استطاعتها المقاومة وانهارت في النهاية.
وفي هذا الجو الحرج ارتقى عبد الحميد الثاني سلطة الخلافة (1293 - 1327 هـ / 1876 - 1909 م) ، في أسوأ ظروف التآمر على الدولة وعلى المسلمين، فقد استولى أعداء المسلمين على أفريقيا شمالها وجنوبها وغربها وشرقها وتوغلوا في وسطها، كما استولوا على معظم آسيا في القوقاز والتركستان وهندستان وجميع جنوب شرق آسيا، وشواطيء شبه الجزيرة العربية عدن وحضرموت وعمان وإمارات الخليج، ولم يبق خارجا عن سيطرة أعداء المسلمين إلا نجد والإحساء وعسير واليمن داخل شبه الجزيرة العربية، والعراق والشام والحجاز وبلاد الأناضول وجزء من البلقان في شرق أوربا وطرابلس الغرب (التي سقطت عام 1330 هـ / 1911 م بيد ايطاليا) تحت سلطان الخلافة العثمانية. وعقدت أوربا مؤتمر برلين بإشراف (بسمارك) رئيس وزراء ألمانيا، وأشركت فيه الدولة العثمانية، وقد أهمل هذا آراء العثمانيين، بل كانوا محتقرين خلال انعقاده، وانتهت قراراته إلى إعادة رسم خريطة البلقان، وكانت كلها موجهة ضد الدولة العثمانية، وسعت كل دولة إلى نهب قطعة من الدولة العثمانية بأية وسيلة كانت، فأخذت بريطانيا قبرص بحجة حماية الأملاك العثمانية الآسيوية، ولفتت أنظار فرنسا إلى تونس، وتطلعت هي إلى مصر، وإلى شرق أفريقيا وقرنها. وبصفة عامة خسرت الدولة العثمانية في مؤتمر برلين ما لم تفقده في أي حرب سبقت [1] .
(1) انظر نوار (د. عبد العزيز سليمان) - الشعوب الإسلامية ص 203.