في هذه الظروف نادى السلطان عبد الحميد بفكرة الجامعة الإسلامية في مختتم القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، في محاولة لحفظ الدولة العثمانية المتداعية من الانهيار، وليصون عقدها من الانفراط، وفي محاولة لتنمية الشعور بالرابطة الإسلامية، وتغذية الإحساس بالخطر الذي يهدد شعوبها أمام غول الاستعمار المتربص بها [1] ، فيدعوها إلى التجمع حول دولة الخلافة، بوصفها أقوى البلدان الإسلامية وأقدرها على قيادة المعركة ضد العدو المشترك فكان نداؤه:"يا مسلمي العالم اتحدوا". وأنشأ مدرسة للدعاة، سرعان ما انبث خريجوها في كل أطراف العالم الإسلامي. كما لجأ السلطان عبد الحميد إلى الاستفادة من التنافس القائم بين الدول الأوروبية، فحاول جهده الإيقاع بينها. وطعا كانت هذه السياسة على حساب بعض التنازلات منه. واهتم بالبلاد العربية وباللغة العربية. وكون حرسه الخاص من العرب وعين بعضهم في وظائف كبيرة، واهتم بإنشاء خط سكة حديد الحجاز.
ومن الحق أن يقال إن حركة السلطان عبد الحميد ودعوته هزت دول العالم الغربي، وخاصة انجلترا، وفرنسا، وروسيا، وكلفتها جهدا كبيرا في سبيل مقاومتها، ورميها بكل نقيصة، واتهام السلطان عبد الحميد والتشكيك فيه، وأخذت تضع الخطط لإسقاط الخلافة العثمانية وبأيدي مسلمين، فلجأت إلى التآمر بالاشتراك مع الصهيونية والمحافل الماسونية للإطاحة به. وانطلقت الصحافة الأوروبية بذلك وتابعتها الصحافة العربية في مصر التي قاد حركتها خريجو الارساليات الأجنبية التبشيرية مثل: سليم سركيس، وجورجي زيدان، وفارس نمر، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، وغيرهم من الصحفيين النصارى الذين حملوا لواء التشهير بالسلطان عبد الحميد، ومعارضته، وإشاعة الاتهامات المختلفة حول شخصه، وتصويره بصورة رديئة لحساب اليهودية العالمية، وبعطف الدولة البريطانية الحاكمة في مصر وتشجيعها. وظهرت هذه الحملة بصورة خاصة في صفحات (الهلال) المجلة التي كان يشرف على تحريرها جرجي زيدان. وفي صفحات رواياته ومؤلفاته.
وكان كرومر المعتمد البريطاني في مصر سنة (1301 - 1325 هـ / 1883 - 1907 م) هو أول من ألب على الجامعة الإسلامية، وحرص على أن يتحدث في تقاريره السنوية عن الجامعة الإسلامية ببغض شديد. وفي الوقت نفسه نشرت الأهرام (المصرية) تصريحات مثيرة لوزير فرنسي هو (هانوتو) هاجم فيها الجامعة الإسلامية. وكانت مهاجمة الجامعة الإسلامية تستتبع بالتالي مهاجمة الدولة العثمانية حتى تتفرق الوحدة التي تجمع من حولها الدول الإسلامية لتواجه النفوذ الاستعماري الزاحف، الذي قد رسم مخططه على أساس التهام هذه الوحدات، والحيلولة دون التقائها مرة أخرى في أي نوع من الوحدة، ليستديم سيطرته عليها [2] . فاتخذوا لذلك عدة أعمال أساسية [3] :
1 -تعميق الدعوات الاقليمية والخاصة بالوطنية والأرض والأمة والعراق.
2 -خلق جو فكري عام لمحاربة الوحدة الإسلامية وتصفيتها.
وكل هذا مقدمة لإلغاء الخلافة العثمانية نهائيا وبالتعاون مع الصهيونية.
وقبل أن نذكر كيف زالت الخلافة لا بد لنا من ذكر الجوانب المشرفة في تاريخ الدولة العثمانية ومنها:
1 -أن العثمانيين هم الذين أزالوا من خريطة العالم أعتى امبراطورية صليبية، هي الامبراطورية البيزنطية، وفتحوا عاصمتها القسطنطينية سنة 857 هـ / 1453 م، التي استعصت على المسلمين ما يربو على الثمانية قرون.
(1) الاتجاهات الوطنية ج 1/ 20.
(2) أنور الجندي. العالم الإسلامي والاستعمار ص 178 - 179 / انظر حاضر العالم الإسلامي ج 4/ 66 - 86 لشكيب أرسلان.
(3) نفسه ص 182.