هذا ولا يخفى عليما لًوات التي ترتفع بين حين وآخر، فتصف الخلافة العثمانية بعديد من الصفات المستقاة من التصورات الغربية، فهي دولة إستعمارية، أخضعت الشعوب بالقسر والقوة، وكبتت الحريات، واستخدمت الأساليب الدكتاتورية في خنق أصوات المعارضة، إلى غير ذلك من المساويء التي يعددها العض، انسياقا وراء كتاب الغرب، أو التجاهل عن عمد للدور الأساسي الذي قامت به هذه الخلافة في صد أعداء الإسلام، أو اتباعا لحملات التشويه المتعمدة التي قادتها الصحف المشبوهة.
وإذا ذكرنا المساويء: فإننا يجب أن نركز على الانحراف عن النهج الإسلامي، مثل قتل الأقرباء خوفا من المنازعة على الحكم، أو للتفرد بالسلطة، أو إباحة شرب الخمور للانكشارية، وتشجيع الصوفية، فالواقع أن الدولة العثمانية كانت ذات عاطفة إسلامية قوية، وإن لم تكن تستطيع إستيعاب المفاهيم الإسلامية بشكل سليم وصحيح في أحيان كثيرة، وهذا هو الداء الحقيقي وكان العلاج يكمن في العودة إلى النهج الإسلامي لا في إبعاده نهائيا.
ولا ننسى أن الدولة العثمانية قامت بخدمات للمسلمين والإسلام فاحتفظت بنظام الخلافة، وأعادت للخليفة هيبته، وبقيت الخلافة تحتل قوة إسلامية كبيرة تجد لها في مسلمي الهند، وأندونيسيا، وتركستان، والصين، وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي صدى وتأييدا كرمز لوحدة المسلمين. وكان هذا السبب الرئيسي في عداء العالم الأوروبي لها، إذ خشيت أوربا أن تتكر أحداث التاريخ فيعود المسلمون لمجدهم، وعزهم، في ظل الخلافة، فلم يهدأ بالها حتى قضت على هذا النظام.
كانت الصهيونية وليدة الاستعمار قد لجأت بمساعدة الدول الاستعمارية للاتصال بالدولة العثمانية، وبالسلطان عبد الحميد، بعد أن نجحت في عقد مؤتمرها الأول في بال بسويسرا سنة 1315 هـ / 1897 م، برئاسة هرتزل اليهودي النمساوي. ففي عام 1319 هـ / 1901 م قام ثيودور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية العالمية، يرافقه (ايمانويل قره صو) زعيم الأقلية اليهودية التركية والحاخام (ليفي موستيه) بزيارة كانت الأولى من نوعها للسلطان عبد الحميد حاولوا أن يحصلوا على إذن يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين، بصفتهم رعايا للدولة العثمانية، كما حاولوا إغراءه بتسديد ديون الدولة العثمانية وقدرها خمسون مليونا من الجنيهات (وهي تعادل 150 مليون ليرة عثمانية ذهبا) ، وهبة مقدارها خمسة ملايين من الجنيهات لخزينة السلطان الخاصة [1] ، فرفض السلطان عبد الحميد بإباء، وأعلن استحالة تحقيق هذا الهدف طالما هو على قيد الحياة. ومن أقواله لهرتزل لما تكرر طلبه:
"لو كنت أعلم أنك جئت اليوم تطلب في ما رفضت إجابتك إليه من قبل لما سمحت لك بالدخول علي. واعلم يا هيرتسل أن فلسطين جزء من أرض الإسلام وأرض الإسلام لا تباع بالذهب والدراهم، ولقد حصلنا على كل شبر منها ببذل دماء أجدادنا، ولن نفرط بشبر منها قبل أن نبذل كل دمائنا دفاعا عنها" [2] .
فكان من نتائج ذلك أن عمل اليهود ومن والاهم، على إسقاط عبد الحميد، وكان من أقوى الأسلحة التي قاومت بها الدول الأوروبية حركة الجامعة الإسلامية الدعوة الإقليمية، وإعلاء شأن الجنسية، والوطن، والعرق، والعمل على تشويه سمعة السلطان، بوسائل الإعلام المختلفة، واتهامه بالاستبداد، والرجعية، والتخلف، والفساد.
ونجح الاستعمار والصهيونية ومن والاهم في إسقاط السلطان عبد الحميد والإغراء بين العنصرين الكبيرين في الدولة وهم: الأتراك والعرب.
(1) علي حسون ص 192، أسرار الاتقلاب العثماني كتبه بالتركية مصطفى طوران، ترجمة كمال خوجة طـ 4 ص 16 - 17.
(2) من مذكرات هرتزل / علي حسون ص 192.