الصفحة 62 من 543

فكان (جلادستون) ، زعيم حزب الأحرار بانجلترا، يلقي الخطب الرنانة ويؤلف الرسائل المطولة ناسبا إلى تركيا اضطهاد النصارى مشيرا إلى السلطان عبد الحميد بقوله:"الشيطان وعدو المسيح" [1] .

أما لورنس العرب فقد قال في إحدى المرات [2] :"علينا أن ندفع بالغرب لانتزاع حقوقه من تركيا بالعنف. . . لأننا بهذا نقضي على خطر الإسلام وندفع به (أي الإسلام) لإعلان الحرب على نفسه وبذلك نمزقه من القلب، إذ ينهض في مثل هذا الصراع خليفة في تركيا، وخليفة في العالم العربي، ويخوض الخليفتان حربا دينية، وبذلك يقضى على خطر الخلافة الإسلامية بصورة نهائية. . .".

وقادت حمعية الدونمة [3] (وهم اليهود الذين أسلموا تقية وعاشوا في سالونيك في ظل الدولة العثمانية) الحركات ضد السلطان عبد الحميد. تحت أسماء مختلفة أهمها حركة تركيا الفتاة، وحركة حزب الاتحاد والترقي، التي اتخذت من مقار المحافل الماسونية مراكز لها للعمل، وخلقت حركة ضخمة سداها ولحمتها الحملة على السلطان عبد الحميد، واتهامه بالإستبداد. وقد ساعدتها وآزرتها الطريقة البكتاشية الصوفية [4] .

فقد تكونت جمعية سرية في كلية الطب العسكري في إستانبول، وعرفت باسم جمعية الاتحاد والترقي، تزعمها شاب إلباني اسمه إبراهيم تيمو وتأثرت هذه بحركة الكاربوناري الايطالية، وبآراء القوميين الأتراك، وفي مقدمتهم الشاعر الماسوني نامق كمال. المتأثرين بالمستشرقين الذين أدوا دورا خطيرا في انتباه الترك المبهورين بالغرب إلى فكرة القومية، لتكوين البديل عن الإسلام هويتهم المميزة لهم [5] .

واكتسبت هذه الجمعية السرية كثيرا من الأنصار، وانضم إليها أعضاء جمعية تركيا الفتاة. واتخذوا من جنيف مركزا لقيادة الجمعية، وأنشأوا في باريس جريدة تمثل آراء الجمعية أسموها الميزان [6] .

ومع بداية القرن العشرين انتشرت جمعيات سرية كثيرة، وخاصة في سالونيك، باسم الوطن، والحرية، تتعاون مع جمعية الاتحاد والترقي، لمعارضة الحكومة العثمانية [7] . وتمكنت هذه الجمعيات أخيرا من الثورة سنة 1326 هـ / 1908 م وإسقاط السلطان عبد الحميد سنة 1327 هـ / 1909 م، وكان قره صو اليهودي واحدا من الذين اشتركوا في خلعه وقدم له قرار العزل [8] .

(1) الدولة العلية ص 239.

(2) د. علي حسون ص 262. كان لورنس كالحاوي يضحك على العرب، ويحرضهم ضد الأتراك. ووصف العرب بأقبح الصفات، فوصفهم بأنهم لا عقيدة لهم، وأنه يمكن أرجحتهم على فكرة كما لو كانوا على حبل، وهم دون عقيدة يمكن قيادتهم إلى زوايا العالم الأربع، ولكنهم إذا قابلوا في الطريق دجلا أو نبيا لا يلبثون أن يصدقوا وحيه ويتبعوه، إنهم كالماء في عدم الاستقرار (انظر ادوارد سعيد ص 248) .

(3) السلطان عبد الحميد - مذكراتي - ص 104.

(4) والبكتاشية طريقة صوفية، ذات طابع سري باطني شيعي، لعبت دورا كبيرا في التاريخ السياسي العثماني. حلها السلطان محمود الثاني بعد مذبحة الانكشارية عام 1242 هـ / 1826 م، وتعقبها وسجن شيوخها، وخرب زواياها. وتعاونت مع جمعية الاتحاد والترقي، ومع الماسونية في سبيل القضاء على الدولة العثمانية، وكان أعضاء تركيا الفتاة بكتاشيين، وماسونيين في آن واحد.

(انظر حول البكتاشية ما كتبه المستشرق اليوغسلافي - محمد موفاكو - مجلة العربي العدد 220 مارس 1977 م، دائرة المعارف مجلد 2 ص 177)

(5) برنارد لويس - الغرب والشرق ص 126.

(6) المسألة الشرقية. د. دسوقي ص 313.

(7) نفسه ص 315.

(8) وتقتطف هذه الفقرات من الرسالة التي وجهها السلطان عبد الحميد إلى شيخه بعد عزله يوضح فيها أسباب تنازله عن الخلافة:

"إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني - بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد والترقي باسم (جون ترك) وتهديدهم - اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة."

إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين) ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف وأخيرا وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة انجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي:

إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فضلا عن 150 مليون ليرة انجليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي أيضا.

وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى (سلانيك) فقبلت بهذا التكليف الأخير -

هذا وحمدت المولى وأحمده لأنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشيء عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين، وقد كان بعد ذلك ما كان. ."نشر هذه الرسالة سعيد الأفغاني في مجلة العربي الكويتية في عددها الصادر في شهر شوال سنة 1392 هـ الموافق لكانون الأول سنة 1972 م، ضمن مقال بعنوان: سبب خلع السلطان عبد الحميد."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت