وبدأ اليهود يقطفون الثمار بعد زوال السلطان عبد الحميد، فاشتروا معظم الصحف التركية، وعينوا العديد من شخصياتهم في حكومة الاتحاديين، مثل جاويدبك الذي أصبح وزيرا للمالية، فاستطاع تأمين بعض القروض المالية، مما سهل أمامه مهمة التعاون مع جمعية الاتجاه الإسرائيلية في فلسطين، واستطاع إلغاء معظم القوانين التي وضعت للحيلولة دون تسرب اليهود إلى فلسطين [1] زمن السلطان عبد الحميد. وبسيطرة جمعية الاتحاد والترقي غدت الحكومة العثمانية تركية في مضمونها، قومية في عصبيتها، بينما كانت من قبل عثمانية في مضمونها، وإسلامية في رابطتها [2] . فقد تأثرت هذه الجمعية بقوة الأفكار القومية الطورانية التي تدعو إلى تحرير جميع الأتراك. مدعين أن الشعوب الإسلامية في الأناضول وآسيا الوسطى تشكل أمة واحدة، وهي الأفكار التي تطورت أخيرا بمجهودات الكاتب التركي الشهير ضياكوك آلب (البكتاشي وهو من أصل كردي وأطلق عليه أبو القومية التركية) فاتبعت سياسة التتريك وذلك بجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية الوحيدة، بعد أن كانت تقف اللغة العربية إلى جانبها. فتأججت حركة الدعوة إلى القومية العربية، في مواجهة حركة التتريك.
كون العرب حزب اللامركزية، وتعني أن تأخذ الولايات غير التركية استقلالا ذاتيا، وتبقى خاضعة خارجيا لاستانبول. كما كونوا جمعيات سرية، مثل الجمعية القحطانية برئاسة عبد الكريم الخليل، والضابط عزيز علي المصري، والجمعية العربية الفتاة، التي تشكلت في باريس عام 1329 هـ، على منهج جمعية تركيا الفتاة، ومن قبل طلاب يدرسون هناك تشبعوا بالأفكار الغربية، وخاصة مباديء العصبية القومية، واستعمل بعضهم المصطلحات الماسونية، وكان قصدهم: استقلال العرب التام، وقد نقلوا مقرهم من باريس إلى بيروت، ثم إلى دمشق، حيث ازداد عدد الأعضاء وخاصة من النصارى العرب.
وتكونت الجمعية الإصلاحية في بيروت عام 1331 هـ وتعاونت مع جمعية النهضة اللبنانية في المهجر، فقدمتا رسالة مشتركة إلى حكومة فرنسا عام 1331 هـ التمستا فيها منها احتلال سوريا ولبنان، بينما اتجه المصلحون العراقيون نحو الانجليز، وأيد بعضهم إقامة إشراف بريطاني على برامج الإصلاح، بل وحتى إلى بسط الحماية البريطانية على البلاد [3]
(1) مصطفى محمد ص 72.
(2) أضاعت تركيا في فترة الأربع سنوات الأولى من حكمهم جميع ولايات الدولة الأوروبية عدا تراقيا الشرقية. فضمت النمسا ولاية البوسنة والهرسك عام 1326 هـ، وانفصلت بلغاريا، واحتلت ايطاليا ليبيا وجزر البحر الأبيض المتوسط، وأخذت اليونان جزيرة كريت.
(3) تاريخ الدولة العثمانية د. علي حسون ص 249.
وليس من قبيل الصدف أن نجد الرواد الأوائل لنمو الأفكار القومية والوطنية من النصارى في معظمهم، واعتبرتهم وسائل الإعلام رواد النهضة فمنهم:
1 -أحمد فارس الشدياق 1801 - 1887 م / 1216 - 1305 هـ في كتابه الساق على الساق. وهو لبناني من أبوين نصرانيين، أعلن إسلامه في تونس وأسمى نفسه أحمد. بعد أن أكرمه الباي واستقدمه. وأصبح له مكانا مرموقا في تونس والآستانة.
2 -بطرس البستاني: 1819 - 1883 م، سوري، تربى في الدير الماروني في عين ورقة، وعمل في القنصليتين الانجليزية والأمريكية في بيروت، ووطد علاقته بالمراسلين الأمريكيين الانجيليين، فاعتنق مذهبهم، وساعدهم على ترجمة التوراة إلى العربية، واشتغل بالتدريس في معاهدهم، وأسس المدرسة الوطنية عام 1863 م، وركز على الدعوة إلى الوطنية، واعتبر سوريا وطنا واحدا.
3 -ناصيف اليازجي 1800 - 1871 م لبناني.
وقد احتضنت مصر في ظل الاحتلال الانجليزي عددا منهم مثل:
1 -سليم نقلا 1829 - 1892 م، الذي أسس جريدة الأهرام.
2 -يعقوب صروف 1852 - 1927 م، وفارس نمر 1860 - 1972 م وقد هاجرا إلى مصر عام 1883 م، وأصدرا مجلة المقتطف التي كانت تصدر في بيروت، كما قاما بإصدار جريدة المقطم عام 1889 م التي استمرت في الصدور إلى وفاة فارس نمر عام 1952 م.
3 -جورجي زيدان 1861 - 1914 م، مؤسس الهلال، الذي تلقى عمومه في الكلية البروتستنية السورية. ونهج في كتابة روايات الإسلام نهج الكاتب الانجليزي وولتر سكوت، وشوه بها التاريخ الإسلامي.
4 -فرج أنطون 1874 - 1922 م جاء إلى القاهرة من طرابلس الشام عام 1897 م وقضى بقية حياته بين مصر ونيويورك، رئيسا لعدة مجلات عربية أشهرها مجلة: الجامعة. ودعا إلى وضع أسس علمانية يشترك فيها المسلمون والنصارى على قدم المساواة.
وقد أنشئت عام 1875 م أول جمعية سرية لها أهداف قومية في سوريا من بعض النصارى من حلقة البستاني. وتظاهرت بالتركيز على بعث التراث العربي، والتغني بأمجاد العرب، وذلك وسيلة لكسب تأييد العرب المسلمين للتيارات الانفصالية عن الأتراك.
كما أسس نجيب عازوري النصراني اللبناني عام 1904 م في باريس منظمة قومية باسم رابطة الوطن العربي، وكانت ثقافته فرنسية، وادعى أن غاية الرابطة تحرير بلاد الشام والعراق من سيطرة الأتراك. وأصدر عام 1905 م كتابه بالفرنسية (يقظة الأمة العربية) ، واعتبر الوطن العربي منه: البلاد العربية الآسيوية. وأما مصر وشمال أفريقية فهي خارجة عنها.