فقد قام الاتحاديون بتوجيه الدولة وجهة قومية لا دينية، ولما احتل الانجليز استانبول (الآستانة) وأصبح الخليفة شبه أسير في أيديهم، وأصبح المندوب السامي البريطاني والجنرال هارنجتون (القائد العام لقوات الحلفاء في استانبول) هما أصحاب السيادة الفعلية [1] ، ظهر مصطفى كمال [2] باشا بمظهر المنقذ لشرف الدولة من الحلفاء واليونان الذين احتلوا إزمير بتمكين من بريطانيا سنة 1338 هـ، وتوغلوا في حقد صليبي دفين في الأناضول وكان الحلفاء قد عقدوا معاهدة سيفر عام 1920 م، جردت المعاهدة الدولة العثمانية من ممتلكاتها في أوربا سوى العاصمة وقطعة أرض صغيرة. ووضعت الممرات تحت إشراف دولي. كما فقدت الدولة كل ممتلكاتها العربية، فوضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ووضع العراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الانجليزي، وأعطيت إزمير وضواحيها لليونان وتقرر تأسيس دولة أرمنية في الأناضول الشرقي [3] .
فقام مصطفى كمال باستثارة روح الجهاد في الأتراك، ورفع القرآن، ورد اليونانيين على أعقابهم، في موقعة سقاريا عام 1921 م، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء بدون أن يستعمل أسلحته، وأخلت أمامه المواقع، ولعلها كانت بداية الطعم لإظهار شخصية مصطفى كمال، وجعلها تطفو على السطح تدريجيا [4] ، فقد ابتهج العالم الإسلامي وأطلق عليه لقب الغازي الذي كان ينفرد به سلاطين آل عثمان الأول. ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء.
فأحمد شوقي قرنه بخالد بن الوليد في أول بيت من قصيدة مشهورة [5] :
الله أكبر كم في الفتح من عجب ... يا خالد الترك جدد خالد العرب
ثم يجعله في مصاف صلاح الدين الأيوبي حين يقول:
حذوت حرب الصلاحيين في زمن ... فيه القتال بلا شرع ولا أدب
بل وشبه انتصاره بانتصار بدر فيقول:
يوم كبدر فخيل الحق راقصة ... على الصعيد وخيل الله في السحب
تحية أيها الغازي وتهنئة ... بآية الفتح تبقى آية الحقب
فكان الناس إذا قارنوا كفاح مصطفى كمال المظفر، باستسلام الخليفة القابع في الآستانة، مستكينا لما يجري عليه من ذل، كبر في نظرهم الأول، بمقدار ما يهون الثاني. وزاد في سخطهم على الخليفة ما تناقلته الصحف بإهداره دم مصطفى كمال واعتباره عاصيا متمردا. ولم يكن مصطفى كمال في نظرهم إلا بطلا مكافحا يغامر بنفسه لاستعادة مجد الخلافة، الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش المحتلة.
(1) علي حسون ص 270.
(2) ولد عام 1299 هـ / كان والده كما يقول (مصطفى كمال) : رجلا ضائع الفكر يقاوم علماء الدين ويؤيد الأفكار التي تتسرب من الغرب وتشبث بها. فنشأ ابنه على ذلك وتأثر بأفكار نامق كمال ذو الآراء غير الملتزمة، وطالع العديد من الكتب عن الثورة الفرنسية وازداد اعجابه بنابليون. قام بتأليف جمعية سرية - الوطن في دمشق - ففشلت. فانضم إلى جماعة الاتحاد والترقي في سالونيك. اكتسب الكثير من طبائع الغرب وبهرت أنظاره وافتتن بحضارته ومعاييرها الفنية والاجتماعية. واهتم بحرية الجنس والعلاقات بين الرجل والمرأة. وفي عام 1377 هـ / عين قائدا لأحد الجيوش في فلسطين حيث قام بإنهاء القتال مع الانجليز فورا وبصورة تامة وسمح للعدو بالتقدم شمالا دون مقاومة وسحب قواته شمالا بعد حلب حسب مخطط متفق عليه. (انظر علي حسون ص 263 - 265 والرجل الصنم) .
(3) الشرق الأوسط الحديث ص 222.
(4) علي حسون ص 245.
(5) الاتجاهات الوطنية ج 2/ 26 - 27.