ولكنه لم يلبث غير قليل حتى ظهر على حقيقته، صنيعة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى وخاصة انجلترا، التي رأت أن الغاء الخلافة ليس بالأمر الهين، وإن ذلك لا يمكن أن يتم دون اصطناع بطل، وإعطائه صورة عظيمة، وإظهار هالة حوله، وتصويره وكأن المعجزات تجري على يديه، وعندها يمكن توجيه الطعنة على يديه، بلا ألم عميق، إذ الشعور قد تخدر من نشوة الانتصارات الزائفة. فالحلفاء أنفسهم هم الذين اصطعنوا القلاقل، وطلبوا من السلطان إخمادها، واقتروا اسم مصطفى كمال لتلك المهمة، ليصبح محط آمال الناس، وموضع تقدير ضباط الجيش، فتتصاعد مكانته وهيبته، وتتدهور سمعة الخليفة، وينحط مركز الخلافة في أعين الناس، فالألاعيب الانجليزية لا تدرك بسهولة [1] .
كان مصطفى كمال قد انتقل إلى أنقرة واتخذها مقرا له، واستقبل هناك استقبال الفاتحين سنة 1337 هـ. وكان يقول:"إن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالسلطنة والخلافة وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي" [2] .
وفي عام 1341 هـ / 1923 م أعلنت الجمعية الوطنية التركية قيام الجمهورية في تركيا، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس لها وفصل بذلك بين السلطة والخلافة، وتظاهر بالاحتفاظ مؤقتا بالخلافة - فاختير عبد المجيد بن السلطان عبد العزيز خليفة، بدلا من محمد السادي الذي غادر البلاد على بارجة بريطانية إلى مالطة، ولم يمارس السلطان عبد المجيد أي سلطات للحكم. وفي عام 1342 هـ / 1924 م قدم مصطفى كمال أعظم هدية للغرب، وهي إلغاء الخلافة، التي كانت في اعتبار المسلمين جميعا عقدة الصلة، والرابطة الوثيقة، بحسبانها قوة خاصة لهم في مواجهة الغزو الغربي، والصهيوني ثم الشيوعي. وأخرج السلطان عبد المجيد من البلاد، وأعلن دستورا جديدا لتركيا، وبدأ حكم كمال أتاتورك كرئيس للجمهورية التركية رسميا. فأثار بذلك موجة من الاستياء الشديد عمت العالم الإسلامي. فشوقي الذي مدحه سابقا بكى الخلافة، وهاجم مصطفى كمال في عنف، لا يعدله إلا تحمسه له بالأمس، فيقول [3] :
بكت الصلاة وتلك فتنة عابث ... بالشرع عربيد القضاء وقاح
أفتى خزعبلة وقال ضلالة ... وأتى بكفر في البلاد بواح
وعم الاستياء المسلمين في الهند، الذين علقوا على تركيا أملا كبيرا في الخلاص من الاستعمار البريطاني لبلادهم. بل إن عددا من زعمائهم كان قد هاجر بالفعل إلى أنقرة. واستطاع الانجليز بدهائهم أن يفرزوا الأغاخان في الهند ليتزعم فكرة إبقاء الخلافة في تركيا، وهو نفسه الذي حاول الانجليز أن يجعلوه منافسا للسلطان عبد الحميد في زعامة المسلمين من قبل فكان ذلك سببا في هجمات صحفية في تركيا على الخلافة [4] .
(1) د. علي حسون ص 277.
(2) نفسه ص 279.
(3) من قصيدته في رثاء الخليفة / ديوان شوفي ج 1/ 114.
(4) انظر نجيب صالح ص 313.