وفشلت المحاولات التي بذلت في سبيل إحياء الخلافة الإسلامية في أي بلد من البلدان الإسلامية الأخرى، لأن الأحوال الملائمة لذلك لم تكن متوفرة في أي بلد إسلامي آخر. وحين عرضت الخلافة على الغازي أبى أن يقبلها [1] ، وقد تأكد أن مصطفى كمال كان ينفذ مخططا مرسوما له في المعاهدات التي عقدت مع الدول الغربية. فقد فرضت معاهدة لوزان سنة 1340 هـ / 1923 م على تركيا، فقبلت شروط الصلح والمعروفة بشروط كرزون الأربع، (وهو رئيس الوفد الانجليزي في مؤتمر لوزان) وهي [2] :
1 -قطع كل صلة لتركيا بالإسلام.
2 -إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تاما.
3 -إخراج الخليفة وأنصار الخلافة والإسلام من البلاد ومصادرة أموال الخليفة، وتتعهد بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة.
4 -اتخاذ دستور مدني بدلا من دستور تركيا القديم.
وقد نفذ مصطفى كمال المخطط كاملا وبدأت حكومته تبتعد تدريجيا عن الخطوط الإسلامية، وتسلم تركيا لعمليات التغريب. فألغيت وزارة المحاكم الشرعية، ووزارة الأوقاف، عام 1343 هـ / 1924 م وعهد بشئونها إلى وزارة المعارف، وفي عام 1344 هـ / 1925 م أغقلت المساجد. وقضت الحكومة في قسوة بالغة على كل تيار ديني. وواجهت كل نقد ديني لتدابيرها بالعنف فقد قام الشيخ سعيد بحركة بعد إلغاء الخلافة، اتخذ لها راية خضراء، وشعارا: لتحيا الخلافة، ولتسقط الجمهورية، وسيطرت حركته على معظم المناطق، وأصبحت أنقرة نفسها على وشك السقوط، فأعلن مصطفى كمال أن الحركة كردية، وأنها تهدف إلى إقامة دولة كردية، وجرد عليها حملة كبيرة عام 1925 م فاستطاع بعد مذابح رهيبة لم يعرف التاريخ لها مثيلا أن يقضي على الحركة، بعد استشهاد أكثر من نصف مليون مسلم، سقطوا دفاعا عن الخلافة الإسلامية [3] ، ونشر محاكم الاستقلال في الأقاليم حيث كانت ترسل المعارضين إلى المشنقة لأتفه الأسباب.
وفي عام (1350 - 1351 هـ / 1931 - 1932 م) حددت الحكومة عدد المساجد ولم تسمح بغير مسجد واحد في كل دائرة من الأرض يبلغ محيطها 500 متر، وأعلن أن الروح الإسلامية تعوق التقدم.
(1) المسألة الشرقية ص 249 / د. دسوقي كان الانجليز يعارضون في ظهور الخلافة الإسلامية في أي صورة من الصور. ولكنهم - كعادتهم - لم يكونوا يصرحون بهذه المعارضة حتى لا يثيروا المسلمين ويدعوهم إلى التشبث بالخلافة، فكانوا يعملون على تعقيد المساعي المبذولة في اعادتها بوسائل ملتوية خفية. والذي يقرأ كتاب Whither Islam ص 169 مثلا يستطيع أن يدرك بين سطوره شماتة الكاتب في الجهود المبذولة لإقامة الخلافة. (الاتجاهات ج 2/ 51) .
(2) ويعترف رضا نور في كتابه حياتي وذكرياتي ص 1188 بأن الحاخام (ناحوم) أو (ناعوم) أعلن في مؤتمر الصلح في لوزان علمانية تركيا، بقوله: لقد أصبحت تركيا علمانية، لقد انفض الدين عن الدولة، وإذا تم الصلح فإننا سنقوم بوضع القوانين المدنية. ويواصل رضا نور قوله: وكانت هذه أهم نقاط الارتكاز التي اعتمدنا عليها في لوزان، إن صفقة بيع وشراء الخلافة، والتنازل عن الموصل قد تم بين لندن وأنقرة، وماحضور وفد تركي إلى لوزان إلا للتمويه والتوقيع. واعترف رضا نور أن الدور الأساسي في موضوع الصلح كان قد أعطي لقره صو (حابيم ناعوم) ، فقد كان الشخص الأول في المؤتمر هو عصمت اينونو، والثاني هو رضا نور، إلا أن الأمور كلها كانت بيد مستشار الوفد قره صو الذي كان يجلس خلف عصمت ابنونو ورضا نور ويهمس لهما بما يريد فلا يترددان في الإعلان.
(3) مصطفى محمد ص 100 وانظر الذئب الأغبر ص 206 / الرجل الصنم ص 422 / بروكلمان ج 5/ 16.