الصفحة 68 من 543

وتمادى مصطفى كمال في تهجمه على المساجد فخفض عدد الواعظين الذي تدفع لهم الدولة أجورهم إلى ثلاثمائة واعظ، وأمرهم أن يفسحوا في خطبة الجمعة مجالا واسعا للتحدث عن الشئون الزراعية، والصناعية، وسياسة الدولة، وكيل المديح له. وأغلق أشهر جامعين في استانبول، وحول أولهما وهو مسجد أيا صوفيا إلى متحف، وحول ثانيهما وهو مسجد الفاتح إلى مستودع.

أما الشريعة الإسلامية فقد استبدلت، وحل محلها قانون مدني أخذته حكومة تركيا عن القانون السويسري عام 1345 هـ / 1926 م. وغيرت التقويم الهجري، واستخدمت التقويم الجريغوري الغربي، فأصبح عام 1342 هـ ملغيا في كل أنحاء تركيا، وحل محله عام 1926 ميلادية.

وفي دستور عام 1347 هـ / 1928 م أغفل النص على أن تركيا دولة إسلامية، وغير نص القسم الذي يقسمه رجال الدولة عند توليهم لمناصبهم، فأصبحوا يقسمون بشرفهم على تأدية الواجب، بدلا من أن يحلفوا بالله، كما كان عليه الأمر من قبل [1] . وفي عام 1935 م غيرت الحكومة العطلة الرسمية فلم يعد الجمعة، بل أصبحت العطلة الرسمية للدولة يوم الأحد، وأصبحت عطلة نهاية الأسبوع تبدأ منذ ظهر يوم السبت وتستمر حتى صباح الاثنين. وحرم الاحتفال بعيد الفطر والأضحى، وطبعت طوابع بريد تمثل صورة الذئب الأغبر إله الأتراك القدماء [2] .

وأهملت الحكومة التعليم الديني كلية في المدارس الخاصة، ثم تم إلغاءه بل أن كلية الشريعة في جامعة استانبول بدأت تقلل من أعداد طلابها إلى أن أغلقت عام 1352 هـ / 1933 م.

وأمعنت حكومة مصطفى كمال في حركة التغريب فأصدرت قرارا بإلغاء لبس الطربوش، وأمرت بلبس القبعة، تشبها بالدول الأوروبية.

ومنذ عام 1348 هـ / 1929 م بدأت الحكومة تفرض إجباريا استخدام الأحرف اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلا من الأحرف العربية. وبدأت الصحف والكتب تصدر بالأحرف اللاتينية، وبدأ مصطفى كمال بنفسه هو ورجال الجمعية الوطنية يعلمون طريقة الكتابة بالحروف اللاتينية. وحذف من الكليات التعليم باللغة العربية واللغة الفارسية، وحرم استعمال الحرف العربي لطبع المؤلفات التركية، وأما الكتب التي سبق لمطابع استانبول أن طبعتها في العهود السالفة، فقد صدرت إلى مصر، وفارس، والهند، وهكذا قطعت حكومة تركيا ما بين تركيا وماضيها الإسلامي من ناحية، وما بينها وبين المسلمين في سائر البلدان العربية والإسلامية من ناحية أخرى [3] ، فكان هذا اقلرار من أخطر القرارات، لأنه أدى إلى تجهيل الأمة، بفصل الجيل الجديد عن منهجه، وثقافته وتراثه.

(1) تركيا الحديثة ص 201، جميل بيهم - العرب والترك ص 178. عزة دروزة.

(2) الذئب الأغبر ص 215.

(3) انظر ما كتبه الأمير شكيب أرسلان عن أعمال مصطفى كمال في تركيا ج 3/ 351 - 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت