وكانت خطوات الغازي هذه بعيدة الأثر في مصر، وأفغانستان، وإيران، والهند الإسلامية، وتركستان، وفي كل مكان في العالم الإسلامي، إذ أتاحت الفرصة لدعاة التغريب وخدام الثقافة الغربية الاستعمارية أن ينفذوا إلى مكان الصدارة، وأن يضربوا المثل بتركيا في مجال التقدم والنهضة. فقد هللت له صحف مصر - الأهرام والسياسة والمقطم - وكان (هذا التأييد معروف المصدر، فقد كانت الصحف أجيرة لأكثر من نفوذ) وبررت تصرفات كمال أتاتورك، ووافقت عما ابتدعه، ونشرت له أقوال:"ليس لتركيا الجديدة علاقة بالدين". وأنه - أي مصطفى أتاتورك:"ألقى القرآن ذات يوم في يده فقال: إن ارتقاء الشعوب لا يصلح أن ينفذ بقوانين وقواعد سنت في العصور الغابرة" [1] .
وكان للإعلام اليهودي دور كبير في الترويح لهذه الردة، مثلما كان له دوره البارز في تشجيع أتاتورك على البطش بأية معارضة إسلامية، وكانت تزين له أن ما يقوم به من مذابح وحشية ضد المسلمين ليست سوى معارك بطولية، كما كانت منبرا لكل دعوات التشبه بالغرب الصليبي والمناداة بالحرية الفاجرة للمرأة التركية، والترويج لفنون الانحلال الخلقي معتبرة أن شرب الخمر والمقامرة والزنا ليست إلا مظاهر للتمدن والتحضر [2] .
كل ذلك أسهم في حركة التغريب في مصر وإيران وأفغانستان. فإيران كانت قد فتحت أبوابها للمؤثرات الأجنبية [3] منذ عهد الدولة الصفوية الشيعية (906 - 1135 هـ / 1500 - 1722 م) ، فقد تعاونت مع البرتغال ثم الانجليز، وشجع الصفويون بناء الكنائس ودخلها المبشرون والقسس. وفرضت المذهب الشيعي الاثني عشري على إيران، واضطهدت أهل السنة، ووقفت في وجه الدولة العثمانية وشغلتها فكانت أحد أسباب ضعفها.
ثم حكمت الأسرة القاجارية بعد الصفوية، التي تصفت بالعنف والتخريب، والمذابح الدموية، وبشكل خاص ضد أهل السنة.
كما كانت في عهدها حركات أغاخان والإسماعيلية، والحركة البابية، بتآمر من الانجليز والروس، من أجل زيادة حدة الانقسامات، فيزداد الضعف، ويزداد تسلط الانجليز والروس على البلاد، فشهدت البلاد الفوضى والخراب، والنفوذين الانجليزي والروسي. وخاصة الانجليزي [4] .
وفي عام 1346 هـ / 1927 م ألغى رضا بهلوي أحكام الشريعة الإسلامية، ووضع قانونا مدنيا، وآخر للعقوبات، بني على الأساس الفرنسي.
وفي عام 1344 هـ / 1925 م نصب رضا خان نفسه ملكا، ولقب نفسه (بهلوي) ، وكان صديقا حميما لكمال أتاتورك، وحرص على تقليده واقتفاء خطاه، ففي عام 1345 هـ / 1926 م ألغى الحجاب الشرعي وهاجمه، وكانت زوجته أول من كشفت عن رأسها في احتفال رسمي، وأمر الشرطة بمضايقة النساء اللواتي يرفضن الاقتداء بملكتهن، وخرجن محجبات.
وفي عام 1349 هـ / 1930 م قلص مادة التعليم الديني في المدارس الحكومية، ثم جعلها غير إلزامية في المدارس الابتدائية والثانوية. وفرض اللغة الفارسية بدلًا من اللغة العربية.
وتوج صداقته لأتاتورك بزيارة قام بها عام 1353 هـ / 1934 م. وفي عام 1354 هـ / 1935 م. غير اسم الدولة فأصبحت إيران بعد أن كانت فارس.
(1) وكان هذا تحديا سافرا لمشاعر المصريين الذين كانوا يعطفون على الخلافة ويتمسكون بها، ويتمسكون بإسلامهم. (انظر الاتجاهات الوطنية ج 2/ 12 - 24) .
(2) وقد امتدح برنارد لويس أتاتورك، بالطبع، وشبه انتصاره وزمرته بانتصار اليابان على روسيا (الغرب والشرق ص 170) .
(3) انظر د. عبد الله محمد الغريب - وجاء دور المجوس ص 80 - 95 عن إيران في ربع قرن للدكتور موسى الموسوي.
(4) انظر نوار - الشعوب الإسلامية ص 333 - 369.