هذا وقد انحازت تركيا إلى جانب حلف شمال الأطلسي عام 1371 هـ وحصلت على العضوية الكاملة فيما بعد. فحصلت على التزامات دول حلف الأطلسي بالدفاع عنها [1] واضطرت إلى إبرام مجموعة من الاتفاقيات الثنائية بينها وبين الولايات المتحدة، ونظمت هذه الاتفاقيات العلاقة بين القانونين التركي والأمريكي بحيث أن الأمريكي الذي يقترف جريمة في تركيا كان لا يخضع إلى القانون الجنائي التركي. فعادت بذلك فكرة الامتيازات الأجنبية. ونتيجة لذلك قام الجنود الأمريكان بعدد من الجرائم في تركيا أدت إلى استياء الرأي العام التركي ضد الوجود الأمريكي. وبالتالي إلى انتشار الأفكار اليسارية. كما أدت هذه الاتفاقيات إلى انتشار معالم الفكر الغربي في تركيا عن طريق فيالق السلام التي أرسلتها الولايات المتحدة إليها، والتي قامت بعملية الغزو الحضاري. وكانت لهذه الظاهرة آثار سلبية على التراث الإسلامي في تركيا. كما أن هذه الاتفاقيات جلبت لتركيا تقييدات خطيرة لسيادتها من حيث ترجمتها، وتفسيرها في آن واحد، إذ كانت هناك حوالي مائة قاعدة عسكرية أنشئت عن طريق هذه الاتفاقيات ودون معرفة المجلس الوطني الكبير [2] . وقد استمر هذا الوضع مع أمريكا إلى أن عدلت هذه الاتفاقيات عام 1969 م بمباديء جديدة [3] . لا تختلف عن السابقة إلا في الشكل.
وكل ذلك أدى إلى انفاق تركيا مبالغ طائلة على قواتها العسكرية، فتعرضت إلى أزمات اقتصادية خانقة. ولم يستطع مبدأ ترومان في مسادات تركيا حل معضلات الاقتصاد التركي، إذ كان نصيب تركيا ضئيلا بالنسبة إلى اليونان.
وحاولت تركيا الانتساب إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1957 م، وانتسبت عام 1963 م على أن يكون ذلك على ثلاثة مراحل:
أ- التحضيرية: وفيها يلتزم السوق تقديم مساعدات لتركيا في شكل تعريفة تفضيلية وقرض مالي قدره 170مليون دولار لمساعدة تطوير المشاريع الصناعية.
ب- الانتقالية: وفيها يتم التغيير التدريجي للإتحاد الجمركي.
ج- النهائية: وفيها يتحقق الإتحاد الجمركي في تركيا، وتنسق السياسات الإقتصادية [4] .
وهكذا انساقت تركيا في أحضان الغرب، واستسلمت إليه عسكريا واقتصاديا، وضاعت هويتها المميزة لها.
وتظاهر عدنان مندريس بتأييد الغرب حينما أرسل الجنود إلى كوريا لمساعدة قوات الأمم المتحدة عام 1370 هـ، وعقدت تركيا اتفاق صداقة مع اليونان ويوغسلافيا سنة 1373 هـ تحول فيما بعد عام 1374 هـ إلى حلف بغداد، بتوقيع الميثاق العراقي التركي سنة 1375 هـ، وانضمت إليه باكستان وبريطانيا [5] ، ووقع اتفاق منفصل مع الولايات المتحدة. وقد فشل حلف بغداد بثورة العراق عام 1958 م. وبقيت العلاقات مع العرب فاترة. وخاصة مع سوريا التي خسرت لواء الاسكندرونة لصالح تركيا 1939 م.
الحركة الإسلامية أمام التحديات في تركيا [6] :
قاد المسلمون ثورات مسلحة ضد الحكم العلماني التركي المعادي للإسلام وظهرت أهم الثورات في المنطقة الجنوبية الشرقية عام 1344 هـ، ثم في منيمين عام 1349 هـ وقد قمعها الكماليون بشدة منقطعة النظير وذهب ضحيتها عدد كبير من العلماء، وأهملت المنطقة اقتصاديا وعلميا.
(1) أحمد نوري النعيمي - تركيا وحلف شمال الأطلسي ص 9.
(2) نفسه ص 147.
(3) نفسه ص 157.
(4) نفسه ص 196 - 198.
(5) علي حسون ص 304.
(6) انظر علي حسون ص 308 - 311.