الصفحة 74 من 543

وقامت حركة النور بزعامة الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي وتلامذته من بعده، وقد كتب العديد من الرسائل الإسلامية تحت عنوان (رسائل النور) في سبيل التوعية الإسلامية ومقاومة مباديء الكماليين والعلمانية، ولم تعمد حركته إلى حمل السلاح واقتصر جهادها على اللسان. وقد حاول أتاتورك استمالته وناقشه واستنكر دعوته الناس إلى الصلاة مدعيا أنها تثير الفرقة بين أعضاء المجلس فأجابه:

"إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإسلام إنما هي في الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن وحكم الخائن مردود".

فسجنه ثم نفاه بعد أن اتهمه بمؤامرة لقلب نظام الحكم، ولكن دعوته استمرت في الانتشار سرا بين صفوف الجامعيين ومعسكرات الجيش ودوائر الدولة، ومثل للمحاكمة مرة أخرى بتهمة اتهامه أتاتورك بالدجال، فوقف أمام المحكمة. ومما قال:

"إنني لأعجب كيف يتهم أناس يتبادلون فيما بينهم تحية القرآن وبيانه ومعجزاته باتباعهم للسياسة والجمعيات السرية، على حين يحق للمارقين الإفتراء على القرآن وحقائقه في وقاحة وإصرار، ثم يعد ذلك أمرا مقدسا لأنه حرية. أما نور القرآن الذي يأبى إلا أن يشع في أفئدة ملايين المسلمين المرتبطين بدستوره، فهو خطورة ينهال عليها جميع ألفاظ الشر والخبث والسياسة. . . إسمعوا يا من بعتم دينكم بدنياكم وتنكستم في الكفر المطلق: إنني أقول بمنتهى ما أعطاني الله من قوة إفعلوا ما يمكنكم فعله فغاية ما نتمناه أن نجعل رؤوسنا فداء لأصغر حقيقة من حقائق الإسلام. . ." [1] .

فأعيد إلى منفاه وبقي حتى عام 1367 هـ حين بدأت الحكومة بالتراخي بخصوص النشاط الديني، وأجازت طباعة رسائل النور فانتشرت بسرعة، فروع ذلك السلطات فألقي القبض عليه وأحيل للمحكمة الجزائية عام 1368 هـ وحكم عليه بالجسن لمدة عشرين شهرا وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى وفاته في 27 رمضان 1379 هـ. وبقيت حركته مستمرة في تركيا [2] . ولكنها اتخذت صورة صوفية فيها الشيخ والمريد.

وقام أيضا حزب السلام الوطني، الذي تزعمه السيد المهندس الميكانيكي نجم الدين أربكان عام 1392 هـ. وهو ذو اتجاه إسلامي. وعن طريق اشتراكه في الحكم مع حزب العدالة، حقق بعض المكاسب الإسلامية.

ولد البروفسور المهندس المسكانيكي نجم الدين بسينوب بأقصى شمال تركيا عام 1926 م. ووالده محمد صبري بك.

توصل بكفاءته إلى أن أصبح رئيسا لاتحاد غرف التجارة والصناعة عام 1968 م، فثارت ثائرة الشيوعيين والماسونيين. واقرأ معي ما نشرته صحيفة (أنت) الشيوعية بحقد تعليقا على هذا الحدث تحت عنوان (استنبول تحت رحمة الرأسماليين) :

"هناك صراع واضح في هذه الأيام في عالم التجارة والصناعة بين فئتين: فئة الرفاق الماسونيين الذين يعملون بحماية رئيس الوزراء ديميريل، وفئة الإخوان المسلمين الذين يعملون برئاسة نجم الدين أربكان. فما هي حقيقة هذا الصراع؟. . ." [3] .

أسس أربكان حزب النظام الوطني عام 1970 م، وأغلقته الحكومة عام 1971 م بعد ستة عشر شهرا فقط بحجة [4] :

(1) علي حسون ص 310.

(2) ولد بديع الزمان عام 1873 م في ولاية بتلس من أبوين كرديين، واتقن علوم اللغة والعلوم العقلية على اختلافها، وعلم الأصول والفقه، وعلوم القرآن. حرص على التواضع والتقشف، وتعلم الرماية والمصارعة، وركوب الخيل، فكان شجاعا مقداما لا يخاف ولا يتردد، ولقبه العلماء - بديع الزمان - كرس حياته لخدمة القرآن الكريم. أساء أتباعه بعده فهم عبارته: السياسة والشيطان سواء. فصار أكثرهم ضعيف الفهم في السياسة مما أوقعهم في حبائل السياسيين من حيث لا يشعرون (انظر بالتفصيل مصطفى محمد ص 125 - 149) .

(3) مصطفى محمد ص 160 عن العدد 127 بتاريخ 3/ 6 / 1969 م.

(4) نفسه ص 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت