وأدت القطيعة بين روسيا وأمريكا إلى خوف الدول الأوروبية فبحثت عن أحلاف وتكتلات فكان ميثاق بربوكسل (عاصمة بلجيكا) عام 1948 م الذي ضم دول البينولوكس الثلاثة: هولندة، وبلجيكا، ولكسمبورج، وذلك باقتراح من بريطانيا وفرنسا. وقد وافقت الحكومات الثلاثة على معاهدة لمدة خمسين سنة، وتنص على معونة عسكرية آلية في حالة عدوان ضد أحد موقعيها في أوربا، وعلى تبادل المشورة في حالة عدوان في قارة أخرى. أو في حالة تهديد ألمانيا لأي منها، كما أكدت على منع وقوع الأقطار الأورويبة تحت النفوذ السوفييتي، ونصت على إنشاء مجلس استشاري ينعقد بناء على طلب أحد الأعضاء. وتضمنت تقوية الروابط الثقافية والتبادل التجاري بين هذه الأقطار [1] .
كما ظهرت الرغبة عندهم في التعاون مع الولايات المتحدة التي وضعت شرطا هو (التنظيم المسبق في أوربا لسياسة الدفاع ضد كل عدوان من حيث أتى) [2] . فبدأ الكلام عن ميثاق أطلسي محتمل، يضم اتحاد بروكسل والولايات المتحدة وكندا.
وفي الوقت نفسه كانت الدول الإسكندنافية: النرويج، والسويد تفكر في تحقيق ميثاق خاص. وفي جنوب أوربا اقترح تسالداريس وزير خارجية اليونان على بيفن (رئيس وزراء بريطانيا) إشراك انجلترا، وفرنسا، وأسبانيا، وايطاليا، واليونان للدفاع عن البحر المتوسط [3] وهكذا تهيأ الأمر لميثاق الأطلسي بزعامة أمريكا. فنقح النص الكامل للميثاق في 8 آذار (مارس) عام 1948 م، ووصل إلى باريس ثم إلى لندن حيث تناقش به مجلس الخمسة الاستشاري في لندن دون إدخال تعديل عليه، وحضر المجلس وزراء الخارجية للدفاع الوطني والمالية الموقعين على معاهدة بروكسل. وفي 15 آذار دعا الخمسة والولايات المتحدة وكندا: النرويج والدانيمارك، وأيسلندا، والبرتغال إلى الاشتراك في الميثاق [4] . وفي نيسان (إبريل) عام 1949 م تم توقيع الحلف في واشنطن من قبل اثنتي عشرة دولة هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وايطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولكسمبورغ، والنرويج، والدانيمارك، والبرتغال، وكندا، وأيسلندا.
ثم انضمت لهذا الحلف تركيا واليونان عام 1952 م، وألمانيا الغربية عام 1955 م [5] .
وواضح من بيان الدول المشتركة في هذا الحلف أن العامل الاستراتيجي العسكري هو المعيار الحاسم في عضويته، وليس العامل الإقليمي كما قد يوحي بذلك اسمه، فالحلف كما نلاحظ يضم دولا تترامى في قارتين: من تركيا واليونان في المشرق، وهما دولتان غير أطلسيتين، إلى أمريكا وكندا في الغرب مرورا بمعظم أوربا الغربية سواء أطلت على الأطلسي أم لا. وهذا الحلف لا يضم دول أمريكا اللاتينية أو أفريقيا الأطلسية. فالقصد من الحلف كان إقامة حزام أمان واحد قبالة الإتحاد السوفييتي [6] .
وادعى منشئوا هذا الحلف أن طابعه دفاعي، وأنه موجه ضد خطر العدوان الشيوعي على أوربا الغربية. وأعربت دوله عن الثقة بأهداف هيئة الأمم ومبادئها، ونصت مقدمته على رغبة المتعاقدين في السلام، والتصميم على حماية النظام الديمقراطي - النموذج الغربي - بالقوة.
وتعد البنود العسكرية الأساسية من بين بنوده: ففي المادة الرابعة يميز بين التهديد والعدوان، ففي حالة التهديد تتشاور الأطراف، ويكفي لتعريف التهيدد أن يصرح أحدهم أنه موجود.
(1) النعيمي ص 17، والتاريخ الدبلوماسي ص 215.
(2) التاريخ الدبلوماسي ص 216.
(3) التاريخ الدبلوماسي ض 218.
(4) نفسه ص 218.
(5) الموسوعة ص 66.
(6) محمد عبد العزيز شكري - الأحلاف والتكتلات ص 45.