النَّظَرِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَالِ الْغَازِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِعِبَادَةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ الْمَالِ وَالْبَدَنِ فَتَكُونُ كَالْحَجِّ، وَأَنَّ وُجُوبَ تَجْهِيزِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْجِهَازِ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يُعْطِيهِمْ اسْتِحْقَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ كَافٍ لِلْجِهَازِ مَعَ حَاجَةِ الْمُقَامِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُكَلِّفَ الْإِمَامُ النَّاسَ ذَلِكَ عَلَى نِسْبَةِ عَدْلٍ (لِأَنَّ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْأَعْلَى) وَهُوَ تَعَدِّي شَرِّ الْكُفَّارِ إلَى الْمُسْلِمِينَ (بِإِلْحَاقِ) الضَّرَرِ (الْأَدْنَى) " [1] "
وقال في شرح السير:"لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَهِّزَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَكَّمَ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَرَبَ بَعْثًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَرَفَعَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ وَلَدِهِ فَقَالَا: لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَجْعَلُ مِنْ أَمْوَالِنَا لِلْغَازِي." [2]
(1) - فتح القدير للكمال ابن الهمام (5/ 443)
(2) - شرح السير الكبير (ص: 139)