قال شيخ الإسلام رحمه الله في (الفتوى الحموية) : وأكثر من يُخاف عليه الضلال، هم المتوسطون من علماء الكلام، لأن من لم يدخل فيه فهو في عافية منه ومن دخل فيه وبلغ غايته فقد عرف بطلانه وفساده ورجع. اهـ وصدق رحمه الله، وهذا هو الذي يُخاف في كل علم، يُخاف من الأنصاف الذين ما عرفوا الطريق لأنهم لم يروا أنفسهم أنهم لم يدخلوا في العلم فيتركوه لغيرهم، ولم يبلغوا غاية العلم والرسوخ فيه فيَضلون ويُضلون. لكن علم الكلام خطير لأنه يتعلق بذات الرب وصفاته ولأنه يبطل النصوص تمامًا ويحكِّم العقل، ولهذا كان من قواعدهم: أن ما جاء في النصوص من صفات الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قسم أقره العقل، فهذا نقره بدلالة العقل لا بدلالة السمع.
الثاني: قسم نفاه العقل، فيجب علينا نفيه دون تردد لأن العقل نفاه، ولكن عقل من؟! قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أخذنا بقوله وتركنا من أجله الكتاب والسنة، هذا لا يمكن.
الثالث: قسم لم يرد العقل بنفيه ولا بإثباته، فمن قال: إن شرط الإثبات دلالة العقل، قال: يُرد، لأن العقل لم يثبته، ومن قال: إن من شرط قبوله أن لا يرده العقل، قال: إنه يُقبل، وأكثرهم يقول: إنه يُرد ولا يُقبل، لأن من شرط إثباته أن يدل عليه العقل. وبعضهم يتوقف، قالوا: إذا لم يثبته العقل ولم ينفه، فالواجب علينا أن نتوقف.
وكل هذه قواعد ما أنزل الله بها من سلطان، ضلوا بها وأضلوا والعياذ بالله، وارتبكوا وشكُّوا وتحيَّروا، ولهذا أكثر الناس شكًّا عند الموت هم أهل الكلام، يترددون: هل الله جوهر أم عَرَض؟ هل هو قائم بنفسه أو بغيره؟ هل يفعل أم لا يفعل؟ هكذا.. عند الموت فيموت وهو شاكٌّ، نسأل الله السلامة والعافية. لكن إذا كانت طريقته طريقة السلف الصالح، سهل عليه الأمر ولم يرد على قلبه شك ولا تشكيك ولا تردد.