الوجه الثاني: أن يقال: لنفرض أنها فَرضَت الحج في وقت يتمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم من أداء الحج والعمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يحج تلك السنة لتتطهر مكة من أهل الشرك ومن هنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا - كما ثبت في الصحيحين - ينادي في الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) (1) وكان ذلك في السنة التاسعة.
ولمصلحة أخرى عظيمة وهي اجتماع الناس لمعرفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وتهيؤهم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أدرك وقتًا يمكنه وأهل المدينة أن يتهيئوا فإن أهل البوادي ونحوهم ممن يريدون الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية منسكه لا يتمكنون من ذلك، فلمصلحة بيان الشرع لم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السنة، فالراجح أن الحج واجب على الفور.
وكذلك يدل على ذلك: أن التراخي مظنة الترك والإهمال فإنا إذا قلنا بالتراخي فإنا لا نحد لذلك حدًا - لأنه لا دليل على التحديد - فيقال له: إن حججت وأنت شيخ هرم فلا بأس عليك ولا حرج، وحينئذ فإن ذلك مظنة للترك، ولا شك أن الشارع متشوف لإقامة الحج.
قال: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا)
تقدم أن من كان رقيقًا أو صبيًا فإن حجه يكون نفلًا ولا يجزئ عن حجة الإسلام. فإذا بلغ الصبي أو أعتق الرقيق أو عقل المجنون في الحج بعرفة أو في العمرة قبل الطواف فيصح ذلك فرضًا فمثلًا: رجل رقيق أحرم بالحج بنية التنفل لأنه لا فرض عليه وأثناء ما هو واقف بعرفة أعتق، فيصح ذلك فرضًا له أو أحرم بعمرة وقبل أن يشرع بالطواف أعتق فإنه يصح له ذلك فرضًا.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، (10) ما يستر من العورة (360) ، وانظر (1622) و (3177) و (4363) و (4655) و (4656) و (4657) ، ومسلم / كتاب الحج / باب (78) لا يحج البيت مشرك.. (1347)